أخطاء صدام و أخطاء الاسد / بقلم : باسل محمد

بهذا التوقيت السياسي الحساس الذي تمر به الأزمة السورية،  يمكن لعمليات التفتيش عن اسلحة نظام  بشار الاسد الكيمياوية التي ستنطلق في شهر تشرين الثاني المقبل بموجب الاتفاق الاميركي الروسي و ما يمكن ان يصدر عن مجلس الأمن الدولي من قرارات تتعلق بهذا الملف،  يمكن لهذه العمليات ان تمهد  لعدوان عسكري او احتلال او هيمنة خارجية على هذا البلد العربي المهم في منطقة الشرق الاوسط كما حصل بالضبط مع نظام حكم صدام حسين في العراق بين عامي 1992 و 2003  بمعنى ان مشوار التفتيش عسير و معقد و متشعب و مليء بالألغام وله اهداف سياسية حيوية.
بالمقارنة، نرى أن الاخطاء التي مارسها نظام صدام في التسعينيات من القرن الماضي هي نفسها الاخطاء التي يمارسها في الوقت الراهن نظام الاسد، فالنظامان عملا بجد على تسليح جيشهما بأنواع مهمة من الاسلحة بينها اسلحة دمار بذريعة التصدي لقوة اسرائيل التي تملك قدرات ووسائل عسكرية فتاكة بينها صواريخ تحمل رؤوسا نووية وفق الكثير من التقارير الاستخباراتية الاقليمية و الدولية.
من منظور دراسة النظم السياسية الشمولية،  كنظامي صدام في العراق و الاسد في سورية، فأن النظامين مارسا الخطأ في امر بالغ الاهمية وهو التعامل مع المعارضين السياسيين وانتفاضات شعبيهما بعمليات قمع واسعة ووحشية وقد ساقا التهم ذاتها، فأتهما معارضيهما بالعمالة لهذه الدولة الاقليمية او تلك  وهذا الواقع اضعف المجتمعين العراقي و السوري من الداخل وهذا معناه من الناحية الستراتيجية ان النظامين لم يؤمنا قط بنظريات سياسية فتاكة مثل ان جبهةً داخلية قوية بالانتخابات والمشاركة و الحريات لا بالبطش و التخويف والتفرد تستطيع ان تقف بوجه اي خصم خارجي مهما كان حجم قوته و تهديداته.
بالمعنى السياسي الدقيق، نجح النظامان في العراق سابقاً و في سورية حاضراً في امتلاك انواع مهمة من الاسلحة القتالية غير انه عند اول انتفاضة او معارضة شعبية في الداخل تم استعمال هذه الاسلحة ضد المواطنين و ليس ضد الجيش الاسرائيلي كما كان مطروحاً في الخطاب الايديولوجي لكلا النظامين.
يعني استعمال اسلحة فتاكة لحل مشاكل داخلية ان دولاً خارجية في مقدمتها اسرائيل ستستثمر هذا التطور في صياغة رأي عام دولي باتجاهين:  الحصول على المزيد من الدعم العسكري و الاقتصادي من الدول العظمى بحجة وجود تهديدات من دول عربية مجاورة تملك هذه الاسلحة، و الاتجاه الآخر هو تعزيز التحركات العالمية لنزع و تدمير الاسلحة القتالية الفتاكة التي بحوزة العراق او سورية او اية دولة عربية اخرى.
بفكرة غير تقليدية،  يثير استعمال نظام صدام السلاح الكيمياوي ضد العراقيين في كردستان في السابق و استعمال الاسد السلاح نفسه ضد السوريين في ريف دمشق قبل فترة وجيزة.
التساؤل هنا هو: هل كان مزودو تقنيات و مواد السلاح الكيمياوي و غيرهم في العالم يعلمون مسبقاً ان نظامي صدام والاسد سيستعملان هذه الاسلحة ضد شعبيهما لا ضد اسرائيل ولهذا سمحت جميع الاطراف الدولية بوصول الوسائل العسكرية المختلفة الفتاكة الى جيش النظامين؟!!
بصراحة،  برهنت تجربة نظامي صدام و الاسد مع السلاح الكيمياوي ضد شعبيهما ان النظام الشمولي اكثر خطورة من اسرائيل على مواطني الدولتين، كما اثبت التجربتين رغم بعديهما الزمني ان الجيوش في ظل انظمة حكم دكتاتورية  تكون منفصلة تماماً عن المصالح العليا للشعب وان هذه الجيوش لم تعد محكومة بعقيدة عسكرية مهنية و وطنية ولذلك فان عمليات التسليح التي تتم في بلدان عربية اخرى في الوقت الحاضر و في المستقبل ستواجه شكوكاً قوية حول الهدف من وراء هذا التسليح وهوية ضحاياه.
عملياً، ساهمت عمليات التسليح المتصاعدة وغير التقليدية لدى النظامين،  السابق في العراق و الحالي في سورية في اغرائهما بالتمادي في القمع و التمسك بالسلطة بهذه الطريقة الدموية المدمرة بمعنى كان هدف التسليح هو ضمان البقاء في الحكم لا حماية الحدود و لا وقف تقدم الجيش الاسرائيلي لاحتلال المزيد من الاراضي العربية.
بفرضية المؤامرة، كانت خطة الدول الكبرى مع نظامي صدام و الاسد بالتحديد وفق المعادلة التالية: تسليح قوي لاعتبارات مالية و اعتبارات ترتبط باضعاف البنى الاجتماعية للعراق وسورية بسبب عمليات القمع الشرسة الجارية في الداخل بعدها وتحت عناوين حقوق الانسان و الأمن الاقليمي يتم تجريد النظامين من الاسلحة لتنعم اسرائيل بالأمان !!
بالوقائع لا بالكلام، امتلاك نظام صدام لأسلحة الدمار كان ثمنه، حصاراً اقتصادياً قاسياً على العراقيين ووفاة آلاف المدنيين وتوقف التنمية في العراق وحرباً و احتلالاً و حكومةً عراقية جديدة بعد العام 2003  تسعى ليل نهار لتسليح جيشها لمواجهة الارهاب ولا مستجيب ..  اما مع نظام الاسد في سورية، فتهوره في قمع ثورة المدنيين و الشباب في المدن السورية ادى الى تمزق سورية و تنامي الجماعات الارهابية المتشددة ما اضطره الى استعمال السلاح الكيمياوي لابعاد المسلحين عن قلب العاصمة دمشق ثم حصد بسبب ذلك تهديد الولايات المتحدة له بالضربة العسكرية ثم اجبر هذا النظام على قبول الاتفاق على نزع كل اسلحته الكيمياوية عبر فرق تفتيش دولية لن تقف عند حدود السلاح الكيمياوي بل ستتعداها الى جمع المعلومات الحيوية عن كل صغيرة و كبيرة عن الجيش العربي السوري الذي عاش لعقود يحلم بمعركة مقدسة لتحرير الجولان من الاحتلال الاسرائيلي لا معركة في ريف دمشق او في حلب او في درعا او في ادلب و حمص و حماه.

حجز الفنادق

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*