رجل الأسرار / بقلم : عروبة جميل محمد

برحيل عمر سليمان رجل  مبارك الأول، نكون قد فقدنا كاتم أسرار نظام  كان له دور كبير في المنطقة سواء في فترة الحرب الباردة أو في حوار الفلسطينيين مع الإسرائيليين أو حتى في الحوار المصري الداخلي بين الأحزاب الإسلامية ونظام حسني مبارك، دون أن ننسى دور المخابرات المصرية في العراق بعد سقوط النظام الدكتاتوري العام 2003 ودعمها الكبير جدا لفصائل وتنظيمات إرهابية وسليمان كان على رأس هذا الجهاز الذي أرعب المصريين كثيرا طوال عقود حكم مبارك وسيطرة سليمان عليه، لكنه لم يكن قادرا على توقع شرارة الثورة المصرية التي أطاحت بالنظام.
وعمر سليمان يشكل حلقة مهمة جدا في النظام المصري السابق، وموته في أحد مستشفيات أميركا عن عمر يناهز76 سنة في هذا الوقت يشكل مفاجأة فسليمان كان الحلقة الأكثر قربا من مبارك، رجل كان محل ثقة رأس النظام، تسنم منصب لم يشغله أحد منذ تولي مبارك الحكم، ذلك هو منصب نائب الرئيس الذي ظل شاغرا عقوداً طويلة، ومع اقتراب النظام من نهايته عينه مبارك فيه أملا في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وأراد مبارك أن يوجه رسالة عبر سليمان للشعب المصري بأن لا توريث في الحكم  لكن هيهات فالمصريون قالوا (فات الميعاد) وقرار اللحظة الأخيرة لا يجدي نفعا، ولم يعد سليمان  المنقذ والرجل القوي، غادر السلطة فور إلقائه خطاب التنحي لرئيسه الذي حوكم من قبل الشعب بالمؤبد وينتظر الموت وتوقيع شهادة الوفاة الرسمية.
مات سليمان قبل رئيسه، كاد أن يخوض سباق الرئاسة لولا فشله في تقديم العدد الكافي من الأصوات لترشحه في احدى محافظات مصر التي خذلته وكأنها تطرده بطريقتها الخاصة عن سباق عابدين الرئاسي الذي آلت أموره للقوى الإسلامية.
وكعادة المصريين والعرب في التشكيك بكل شيء حتى في الموت، ورغم إن الرجل تجاوز 76 سنة إلا إن الشكوك راودت البعض في موته، البعض اعتبره مفاجئاً، والبعض طالب بفتح تحقيق في ذلك، خاصة وإن الوفاة حصلت في أميركا وليس في مصر، والشكوك سمة من سماتنا نحن العرب وكأننا لا نريد لأحد من مسؤولينا أن يموت (حتف أنفه)، نبحث دائما عن اسباب للموت غير التي نعرفها ويموت من جرائها آباؤنا وأقاربنا وذوونا وندفنهم بهدوء دون أن تشكل اللجان لتقصي الأسباب.
عمر سليمان لم يكن مجرد رجل في نظام ، بل كان النظام نفسه، نظام وضع الكثير من أسراره في ذاكرة هذا الرجل الذي لا أظنه كتب مذكراته، هذه المذكرات التي نفتقدها في عالمنا العربي، فعندما يموت أو يرحل أو يقتل الحاكم العربي تدفن معه أسرار حكمه الطويلة، نحن أمة لازال حكامها لا يحبون كتابة مذكراتهم، لأنهم لم يرحلوا عن مناصبهم طوعا شأن حكام أوروبا، بل يغيبهم الموت المفاجئ أو الرحيل القسري فينزوي بعضهم في مدن اللجوء والكثير منهم تضمهم قبور لا تحوي جثامينهم فقط بل ذاكرة مرحلة كانوا فيها أصحاب قرار وأصحاب نفوذ.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*