14 تموز 1958 الوقوف عند الحافة.. السقوط عند الحافة / بقلم : علي حسن الفواز

تضعنا احداث الرابع عشر من تموز 1958 دائما امام غابة من الاسئلة، وامام فضاء مفتوح من المراجعات، فهل ماحدث في ذلك اليوم الساخن كان تعبيرا عن مخاضات سياسية وايديولوجية عارمة؟ وهل ان الناس سأمت من الحكم الملكي الذي تحول الى سلطة هشة ومعزولة؟ وهل هناك اجندات خارجية لعبت دورا سريا بصناعة هذا الحدث الفارق في التاريخ العراقي؟ انها محض اسئلة نعيدها باستمرار، ونثير حولها جدلا لاينتهي، لان ماتركته الاحداث التموزية لايشبه ما انتهت اليه من احداث نقيضة تماما، والرومانسية التي رافقت الرابع عشر من تموز  انتهت الى نوع من التراجيديا السوداء التي فتحت الجحيم على العراق السياسي والايديولوجي والثقافي..
في الذكرى الرابعة والخمسين لاحداث ثورة الرابع من تموز/1958 نضع مفهوم التحول السياسي وهوية الدولة الوطنية على الطاولة، ليس لاغراض تاريخية بحتة، بل لحيثيات تتعلق بطبيعة هذه الاحداث ومعطياتها، وطبيعة القوى التي اشتركت فيها شراكة كاملة!! او شراكة بالنوايا، اوربما شراكة تحت جاذبية وغواية مااثارته من اشاعات ومزايا، خاصة من القوى الشعبوية التي كانت تتأثر بالشعارات التي تتحدث عن الحريات والحقوق والمساواة والسلام وعن العيش الكريم.. واحسب ان كثرة الجماعات التي صعدت مع يوميات الثورة صنعت نوعا من السياج الذي غيّب معرفة القوى(العميقة) التي كانت تتحرك بالخفاء لاعادة ترتيب الاحداث السياسية الجديدة في العراق، باتجاه التناغم مع اجندات عروبية او مخابراتية غامضة، ولعل الاحداث التي بدأت مع 1959 وبعض التحركات التي حدثت في بغداد والموصل وكركوك حملت معها مؤشرا على طبيعة ما كان يجري بالخفاء، وماكانت تمارسة قوى الردة من مواقف وحركات..
ملكية.. جمهورية..
ثمة من يقول ان الاحداث في الرابع عشر من تموز نفذت بعجالة وبتوجيه مباشر من العسكر، وان الجمهور الذي كان يعيش منذ العام 1954 نوعا من التمرد ضد الحكم الملكي لم يكن له علاقة بالتوقيت او حتى هوية الثورة، خاصة بعد احداث داخلية ارتبطت بما اقدم عليه  نوري السعيد رئيس الوزاء من تعليق لاعمال مجلس النواب الذي فازت ببعض مقاعده القوى اليسارية. هذه الاحداث  تركت الشارع العراقي يغلي تحت هوس الشعارات والتظاهرات والاحتجاجات الشعبية التي كانت تصنعها القوى السياسية والحزبية، وحتى المثقفون المؤلجون لعبوا دورا في صنع هذا الهياج.
الحرب ضد الملكية لم تكن حربا جمهورية، بل كان هناك من يسعى فقط للانقلاب على الطغمة التي تحوط بالملك، والذين يتهمهم الناس بالفساد والعمالة والى غير ذلك، لكن يبدو ان حديث الجمهورية كان اكثر من عنوان واكبر من شعار، فاعلان الجمهورية من قبل ضباط شباب كان اشبه بالتعبير عن الغلو بالبلاغة الثورية التي تعني نهاية الحكم الذي خيّل للبعض منهم بانه يشبه نهاية حكم ال بوربون في فرنسا، اي نهاية حكم لويس السادس عشر.. فهل كان هذا الحلم، وهذه البلاغة الثورية واقعية جدا!! او عقلانية جدا!! لتعبّر عن هذا التحول، رغم ان الجميع يعرف ان الواقع كان هشا من الداخل اقتصاديا واجتماعيا، ومتحشداً بالكثير من التناقضات، بما فيها تناقضات القوى العسكرية والحزبية التي اسهمت في احداث تموز1958..
الثورة والكارزما
هناك من يقول ايضا ان ماحدث كان ثورة، وكان تعبيرا عن مخاضات النضال الانساني للشعب العراقي الذي ظل يضحي طوال اكثر من ثلاثين عاما، لكن الثوار الحقيقيين صاروا ضحية العسكرة التي اجهضت المعنى الاخلاقي للثورة، وبروز كاريزما الزعيم عبد الكريم قاسم، ليس بوصفه قائدا عسكريا، بل بوصفه منقذا، بطلا اخلاقيا، ثائرا رومانسيا، اذ اثار  هذا البروز نزعات تطهيرية الهبت كل رواسب اللاوعي عند الفقراء الذين ملأوا الساحات تأييدا له، ودفاعا عنه بعد ان اسقط ثورته العسكر والحزبيون القوميون ذاتهم. مابين التأييد والخذلان ظلت القوى الشعبية ظاهرة شعبية تائهة، اذ لم تستطع الثورة طوال حكمها ان تدرك خطورة صيانة الثورة من خلال المؤسسات، فهي لم تصنع لها اجهزة او بنى حمائية اومؤسسات كافية لاستيعاب الحراك الشعبي وتنظيم مسار فعاليات الدولة، وحتى الخطوات والاجراءات التي قام بها الزعيم كانت الاقرب الى العشوائية والشعاراتية، فضلا عن ضعف معالجته للملفات الاقتصادية، ومنها الملف الزراعي الذي عولج بطريقة ثورية خالصة بعيدا عن ادراك ابعادها التالية، فضلا عن ضعف معالجته للملفات الامنية والسياسية وتطهير المؤسسات من القوى الظلامية المضادة، واضطراب علاقته بالقوى اليسارية التي كانت القوة الجاهزة للدفاع عن مكتسبات الثورة في الشارع، اذ ان اسقاط الثورة عام 1963 كان من قبل جهات تملك القوة العسكرية والاسلحة والتي كانت جزءا من منظومة القوة الرسمية التي تملك السيطرة على الكثير من الحلقات والمفاصل العسكرية، فضلا عما تمتلكه من خلايا نائمة في معسكرات النظام السياسي، لذا لم يشفع الرد الشعبي المهيج وغير المسلح في مواجهة (قلّة مسلحة ذات نزعات عنفية) استطاعت ان تفرض سيطرتها على المعسكرات وان تعتقل رموز الثورة بسرعة وان تغتال البطل الكارزمي عبد الكريم قاسم يوم 9شباط/1963 اي بعد يوم واحد من الانقلاب، فضلا عن الدور المعروف لبعض التدخلات الخارجية التي لم يستطع النظام السياسي ان يتعاطى معها بمهنية وحرفنة وان يحيّد مواقفها ازاء الكثير من المشاكل الوطنية وطبيعة قراءتها لحنادق القوى السياسية وعلائقها وصراعاتها، خاصة بعد ان اخرجت الثورة العراق من حلف السنتو الاقليمي، ومن دائرة التعامل بالاسترليني الانكليزي، واطلقت الكثير من الشعارات التي استفزت اللاوعي القومي والطائفي في المنطقة.
كل هذه المعطيات وضعت واقع الثورة ويومياتها عند الحافة منذ البداية، مثلما ظلت الكثير من الملفات التي كان يمكن ان تحمي الثورة وتعزز مسارها، وتنقذها من السقوط مثل ملفات بناء الدولة كالانتخابات والدستور وقانون الاحزاب وغيرها، اذ ظلت هذه الملفات معلقة على النوايا، ورغم اعلان الزعيم ان عام1964 سيكون عاما للانتخابات، الاّ ان القوى التي ظلت مطلقة السراح، خاصة مع عودة اغلب قواها عام 1961 الى اعمالها ومن ضمنهم عبد السلام محمد عارف ومنذر الونداوي وغيرهم من الذين قادوا الانقلاب الدموي على الزعيم الرومانسي  والحالم بالدولة الفاضلة.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*