14 تموز .. مرحلة الإنجازات الوطنية / بقلم : حسين علي الحمداني

بين الانقلاب والثورة أشياء كثيرة، وبين الاستيلاء على السلطة والتغيير فروق كثيرة، كل هذه المسميات علينا أن نستحضرها ونحن نستذكر ثورة الرابع عشر من تموز 1958 التي أسست الجمهورية الأولى في العراق بعد عقود طويلة من الحكم الملكي.
اننا نجد بعد أكثر من نصف قرن على قيام ثورة 14 تموز في العراق وما أحدثته من تغيير كبير جداً في النظام السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، أقول بعد كل هذه الفترة لا نزال نجد ونقرأ الكثير من المقالات والدراسات التي تنشر هنا وهناك والتي تتهم الضباط الأحرار ومنهم الزعيم عبد الكريم قاسم بأنهم مهدوا لتأسيس ثقافة الانقلابات العسكرية وجر العراق إلى ويلات حكم العسكر، متناسين جملة من الحقائق التاريخية الثابتة والتي تتمثل بأن الدولة العراقية الحديثة التي تأسست بعد ثورة العشرين كانت قائمة على العسكر أيضا وان دور العسكر في الدولة العراقية لم يبدأ صبيحة 14 تموز 1958 وإنما كان موجودا قبل هذا التاريخ، فأغلب المساهمين في تأسيس الدولة العراقية كانوا من العسكر، سواء الضباط الذين تسنموا رئاسة حكومات عراقية وهم خريجو الكلية العسكرية التركية ومنهم نوري السعيد الذي كان برتبة جنرال والذي تولى رئاسة الحكومة 14 مرة وهو رقم قياسي في تاريخ الوزارات العراقية يؤكد دور العسكر في السياسة قبل 14 تموز.
كذلك الفريق جعفر العسكري والفريق نور الدين محمود، كانوا عسكريين وتسنموا رئاسة الحكومة في العهد الملكي، وغيرهم من الضباط العراقيين الذين كانوا جزءا من الجيش العثماني المهزوم في الحرب العالمية الأولى، من هنا نجد بأن العسكر وجدوا قبل وجود الدولة العراقية بدليل أن تاريخ تأسيس الجيش العراقي كان في 6 كانون الثاني 1921 بينما كان تأسيس الدولة العراقية في نهاية آب من العام نفسه وبالتالي فان الجيش كان مهيأ لقيادة الدولة ولم تكن الدولة قادرة على قيادة الجيش وهذا ما أدى إلى حدوث انقلاب بكر صدقي في العام 1936 وتلته انقلابات عسكرية أخرى ليس آخرها أحداث مايس 1941 التي قادها العقداء الأربعة والتي عرفت تاريخياً بحركة رشيد عالي الكيلاني, ناهيك عن الكثير من الحركات والانقلابات العسكرية التي لم يكتب لها النجاح وبالتالي فان ما حدث في 14 تموز 1958 هو أمر ليس بالجديد في تاريخ العراق الحديث، إذ كان الناس يستيقظون دائما على انقلاب عسكري يزيح حكومة ويأتي بأخرى مع بقاء العراق نظاماً ملكياً مرتبطاً بالتاج البريطاني بشكل أو بآخر، لكن هذه المرة استيقظ الناس ليس على وقع انقلاب عسكري يستبدل جنرالا بآخر بل على وقع ثورة غيرت ملامح العراق ونظام الحكم فيه من الملكي إلى الجمهوري، وفرضت واقع حال جديد على المنطقة برمتها وأنهت الكثير من التحالفات السياسية والعسكرية التي أرادت ربط العراق بأحلاف واتفاقيات عسكرية منها حلف بغداد وغيره خاصة ان بريطانيا آنذاك كانت تخطط لأن يكون العراق جزءا مهما من الكومنولث البريطاني لسنوات طويلة. إذن هي ثورة وليست انقلاباً خاصة وأن هنالك تعريفين ومفهومين للثورة، فالتعريف التقليدي القديم وضع مع انطلاق الشرارة الأولى للثورة الفرنسية وهو قيام الشعب بقيادة نخب وطلائع من مثقفيه لتغيير نظام الحكم بالقوة. وقد طور ماركس هذا المفهوم بتعريفه للنخب والطلائع المثقفة بطبقة قيادات العمال التي اسماها بديكتاتورية البروليتاريا. أما التعريف أو الفهم المعاصر للثورة فهو التغيير الذي يحدثه الشعب من خلال أدواته كالقوات المسلحة أو من خلال شخصيات تاريخية لتحقيق طموحاته لتغيير نظام الحكم العاجز عن تلبية هذه الطموحات ولتنفيذ برنامج من المنجزات الثورية غير الاعتيادية. أما الانقلاب العسكري فهو تحرك ثلة من الجيش بقيادة أحد الضباط للاستيلاء على السلطة لتحقيق طموحات وأطماع ذاتية بغية الاستفادة المادية من كرسي الحكم كما حصل في شباط 1963 وتموز 1968، والشيء الآخر الذي لم ينتبه له الكثير من الذين تناولوا ثورة 14 تموز 1958، هو إن قادة هذه الثورة ليسوا من الضباط المترفين المقربين من العائلة المالكة بل هم مجموعة ضباط شاركوا في حرب فلسطين عام 1948 وشهدوا نكبة العرب في فلسطين وباتوا على علم ودراية بأن تلك الأنظمة التي نصبها المستعمر لا تخدم الشعب وطموحاته بقدر ما هي تنفذ أهداف ومرامي المستعمرين، أما الجانب الآخر الذي لم يشر إليه أحد فهو إن العراق جزء مهم جدا من محيطه العربي وبالتالي فأنه تأثر بما حصل في بعض أجزاء العالم العربي من ثورات وإنهاء للحكم الملكي خاصة ثورة 23 يوليو 1952 في مصر وما تلا ذلك من تأميم لقناة السويس وحرب 1956 ووقفة الشعب العراقي والتظاهرات المؤيدة لمصر ضد العدوان الثلاثي، وبالتالي فأن الأرضية في العراق كانت مهيأة لقيام ثورة تطيح بالنظام الملكي المرتبط بشكل أو بآخر بالأجنبي، لذا نجد بأن ثورة 14 تموز هي امتداد طبيعي لرفض الشعب العربي في كل مكان للتواجد الأجنبي المباشر أو غير المباشر ومحاولة السيطرة على القرار الوطني، هذا من جهة ومن جهة ثانية نرى أن هنالك مجموعة من الإنجازات الكبيرة التي تحققت بعد الثورة وأهمها بالتأكيد تحرير الاقتصاد العراقي من تبعيته، وتحرير القرار السياسي، لهذا فإن العسكر بثورتهم في تموز 1958 كانوا ثوارا هدفهم التغيير وليسوا انقلابيين هدفهم السلطة.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*