14 تموز .. انعطافة العراق السياسية / بقلم : صادق كاظم

تدخل ثورة الرابع عشر من تموز التاريخ العراقي السياسي الحديث بوصفها اول ثورة  استطاعت ان تغير هوية العراق السياسية  وان تنقله من  نظام ملكي  لم يقدم للعراقيين النموذج الصحيح من الحكم عبر اشراك الاحزاب والقوى السياسية المعارضة في السلطة ،بل كان نظاما كلاسيكيا اتسم بالجمود وبممارسة  عملية ديمقراطية محدودة مع وجود طبقة سياسية ظلت مهيمنة على مواقع السلطة  والنفوذ والثروة وتداولها بشكل دوري فيما بينها وعدم افساج المجال امام  صعود وجوه سياسية شبابية من عامة ابناء الشعب ومن خارج دائرة الاحتكار السلطوي للمقربين من الاسرة الهاشمية الحاكمة.
كان النظام الملكي مزيجا من تحالف تقليدي بينها وبين المؤسسة العسكرية التي قادها الضباط الشريفيون السابقون ورجال القبائل وكبار ملاك الاراضي من الاقطاعيين ،حيث منح هذا التحالف للنظام الملكي القوة والقدرة للسيطرة على مقاليد الحياة السياسية من البرلمانات التي ينتخب اعضاؤها بالتزوير والارادات الملكية التي كانت تلغي اي دور للشعب في اختيار نوابه  والحكومة التي تولى رئاستها ولاكثر من مرة الضباط السابقون في الجيش وعدم السماح سوى لعدد قليل من المدنيين بالوصول الى هذا المنصب ولمدة محدودة ،اضافة الى تشكيل البرلمانات الموالية للنظام وتغييب المعارضة السياسية وحرمانها من ممارسة دورها الحقيقي في الحياة السياسية والمشاركة في الحكومة .كما ان النظام الملكي وعن طريق اعتماده على السياسة التقليدية الثابتة في تقريب الوجهاء العشائريين وملاك الاراضي وضباط الجيش لم ينجح في تغيير الواقع الاجتماعي والسياسي للبلاد ،بل عمل على تهميش سكان الريف الفقراء وحرمانهم من ابسط وسائل العيش ،حين تحولوا الى مزارعين اجراء لدى كبار مشايخ الاقطاع الذين كانوا يسيطرون على اكثر من نصف مساحة الاراضي الزراعية الخصبة ويحصلون على ثروات مالية طائلة لم تنفق في تطوير واقع الفلاحين الفقراء الذين عاشوا حياة بسيطة ومعدمة ،بل ان مشايخ الاقطاع منحوا لانفسهم صلاحية حكام المقاطعات ،حين أنشأوا لانفسهم دوقيات خاصة يحكمون فيها عبر قوانين تسمح لهم بمعاقبة الفلاحين الفقراء وسجنهم وتعذيبهم في السجون الخاصة وعن طريق اعوان مسلحين يخضعون لاوامرهم يطلق عليهم (الحوشية ) وهي تصغير لكلمة حاشية وكان هؤلاء الافراد المسلحون الذراع الامنية والعسكرية التي كانت تستخدم لارهاب المزارعين وفرض سلطة الشيوخ الخاصة على مناطق النفوذ الخاصة بهم .
لم يتطور الريف العراقي المنتج في ذلك الوقت لاصناف عالية الجودة من محاصيل الحبوب التي كانت تصدر بأرقام عالية الى الاسواق الاوروبية على يد الاقطاع وكبار مالكي الاراضي المتحالفين مع الاسرة الملكية الحاكمة ،بل ظل ابناء الفلاحين وبناتهم محرومين من المدارس ،حيث كان يحظر عليهم التعليم من اجل غاية دنيئة وهي الابقاء عليهم كمزارعين جهلة وفقراء. كما ان اسرا سياسية رافقت الملك فيصل الاول بعد مجيئه الى العراق وتنصيبه ملكا على العراق اصبحت بفضل قربها من البلاط الملكي تحتكر وتدمن المناصب السيادية العليا في الدولة كرئاسة الحكومة ووزارات الدفاع والداخلية والخارجية ،فضلا عن رئاسة البلاط الملكي ولم تكتف هذه الاسر باحتكار المناصب ،بل اخذت تتصاهر فيما بينها من اجل تعزيزمواقعها في السلطة .هذا الاسلوب المحتكر للسلطة والذي عمل على اقصاء المعارضة الوطنية في العراق وحرمانها من المشاركة في اي تمثيل برلماني اوحكومي مؤثر ادى الى اصابة النظام بالانسداد السياسي ووسع من قاعدة المعارضة لهذا النظام الذي كان معزولا عن شعبه ،اضافة الى تزايد النقمة عليه من قبل المؤسسة العسكرية التي اعدم عدد من كبار ضباطها بعد فشل حركة  مايس من العام 1941 .
لقد شكلت حرب فلسطين في العام 1948 المناخ الثوري الذي هيأ الارضية امام فكرة تنفيذ انقلاب عسكري ناجح يطيح بالنظام الملكي بمؤازرة من قبل قوى المعارضة السياسية العراقية التي تحالفت فيما بينها مؤسسة لجبهة وطنية معارضة للنظام الملكي ،خصوصا وان هذا النظام فشل في اقناع الشارع العراقي بعدم جديته في حرب فلسطين واستثمار التقدم الذي احرزه الجيش في بداية الحرب واقترابه من تل ابيب لولا تدخل بريطانيا التي كانت متحالفة مع عصابات الصهاينة وممارستها للضغوط على النظامين الملكي العراقي والمصري لوقف زحف الجيشين العراقي والمصري وترتيب وضع يهدف الى منح نصف ارض فلسطين للعصابات الصهبونية والاعتراف بالدولة الصهيونية وهو ما كان يعارضه الشارع العربي المندفع بقوة نحو اكمال المهمة وانهاء الوجود الصهيوني .لقدكان الامتثال للقرار البريطاني من قبل الحكومتين العراقية والمصرية له فواتيره المرتفعة ،حين تحرك الجيش المصري في تموزمن العام 1952 ليطيح بعرش فاروق فيما تحرك نظيره العراقي بعد ستة اعوام ليطيح بالعرش الهاشمي معلنا ولادة الجمهورية العراقية التي جاءت لتضع حدا لاحتكار السلطة المزمن من قبل افراد الاسرة الملكية وحلفائها ودخول العراق في عهد جديد من النهوض والتطور .
لقد غيرت ثورة الرابع عشر من تموزمن واقع العراق كثيرا وعملت على ادخاله عالم النهوض والتطور، حين انهت دور الاقطاع في الريف العراقي ومنحت المزارعين الفقراء ولاول مرة قطع اراض زراعية خاصة بهم وسارعت لتبني نظام الجمعيات الفلاحية من اجل توسيع المشاركة والانتاج والحد من نزيف الهجرة الواسع الى العاصمة من الريف العراقي الذي فقد ثلث طاقته العاملة بسبب سياسة الظلم والاضطهاد التي مورست ضد المزارعين الفقراء.
كما ان حكومة الثورة اسهمت في تطوير الحياة السياسية، حين اشركت الاحزاب في تشكيلات الحكومة واصبح لها ممثلون في الحكومة.
لقد كان التغيير كبيرا وشاملا ودخل العراق في هذا العهد الجمهوري مرحلة الصناعة ونظمت الحكومة القوانين التي تنهي احتكار الشركات الاجنبية النفطية للحقول العراقية غير المكتشفة، فضلا عن توسيع الوظائف وانهاء البطالة الحادة التي كان الشعب العراقي يعاني منها.كما ان التعليم توسع بشكل كبير في الريف والمدينة واصبحت للعراق جامعاته العديدة التي تخرج سنويا الكوادر العلمية الاكاديمية المثقفة  .
لقد كانت ثورة الرابع عشر من تموز انعطافة تاريخية في مسار الشعب العراقي  اسهمت في دخوله نادي الدول المتقدمة من العالم الثالث ،لكن هذه الثورة لم تسلم من التشوهات والاخطاء التي ارتكبت في عهدها والتي كان من بينها قتل العائلة المالكة من قبل ضابط في الجيش والذي تصرف بشكل منفرد على عكس رغبة الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم الذي كان يرغب في المحافظة على حياة افراد الاسرة المالكة ونقلهم الى المنفى ، لكن تأخر وصول قاسم ورفاقه من قادة الثورة الى بغداد الا بعد ساعات طويلة جعل الامور تفلت من السيطرة وذهب ضحية تلك الاعمال الهمجية والمتوحشة رجال ونساء الاسرة المالكة، فضلا عن حملة المطاردة الشرسة التي تعرض لها رئيس الوزراء الاسبق نوري السعيد والتي انتهت بمصرعه وسحل جثته في الشارع وحرقها  في سلوك يدل على همجية من قاموا بهذا العمل وتجردهم من الانسانية.
لقد اسهم انقسام ضباط الجيش بين تيارين احدهم قومي كان يدعو الى الاندماج والوحدة مع مصر تحت زعامة عبد الناصر المتحسس من دور العراق وامكانية صعود نجمه في المنطقة وتحوله الى قوة منافسة لمصر وبين تيار وطني يدعو الى ابقاء العراق مستقلا وبعيدا عن اية تحالفات ومحاور في المنطقة وتركيز الاهتمام على تطور العراق وتنميته ، اقول اسهم هذا الاختلاف في بروز صراع عنيف ودموي انتقل الى الشارع وأدى الى سفك الدماء ومصرع آلاف الضحايا ولم يسمح لرئيس الوزراء عبد الكريم قاسم من استكمال خططه في تطوير العراق وتحديثه وتحويله الى مجتمع مدني وعصري ،حيث وجدت القوى المضادة للثورة في اطراف التيار القومي اليميني الحليف الرئيسي لها وعدم لجوء قاسم الى القوة البوليسية المفرطة في تعامله مع خصومه وتفكيك تحالفاتهم ومطاردة عناصرهم في الداخل والخارج الفرصة للتخطيط لاسقاط الثورة ،بل بالعكس من ذلك نجد ان هؤلاء الخصوم استغلوا تسامح  الزعيم قاسم معهم وعودتهم الى مواقعهم في الجيش لتدبير انقلاب عسكري دموي اطاح بالزعيم قاسم وبحياة اكثر من 30 الف شخص من التيارات اليسارية والوطنية المعارضة ووقوع العراق لاحقا في قبضة نظام البعث الاجرامي الفاشي .
لقد كانت ثورة تموز عنوانا ومشروعا وطنيا اسهم في تطوير العراق وانتقاله من عهد الانظمة الملكية المستبدة الى عهد جمهوري وطني اسهم في تنمية الطبقات الاجتماعية ورفع مستوى البلاد العلمي والثقافي والاقتصادي وفي تحول العراق الى قوة سياسية بارزة في المنطقة قدمت الدعم الضخم والكبير لأبرز قضيتين تاريخيتين في ذلك لوقت وهما ثورة الجزائر وانتفاضة الشعب الفلسطيني ضد الغاصبين الصهاينة.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*