«يوم ينفخ في الصور» ( عمر السراي

في نظرةٍ فاحصة لواقع المجتمع العراقي, يشخص المتتبع المتكآت الأمينة التي يحاول المواطن اكتنازها في تجربته المعاشة, ولا تعدو أن تكون هذه المتكآت أكثر من ضفــــــــَّـــــتين, هما: الدين والعرف. وكل ذلك إنما يجري بسبب غياب الضفة الأهم ألا وهي القانون. فعدم إيمان الفرد بالمنظومة القانونية التي تسوسه, يقوده إلى البحث عن مؤسسات تتجاوز إطار الدولة, مؤسسات تحفظ له جزءاً من ديمومة الاستمرار في ظل استلاب الحقوق المحيط به, وتوفر له أماناً مفترضا, فأبسط إجابة لأي طرف من أطراف نزاع ٍ كبير أو صغير, تحملك إلى أن حل المشاكل بعيدا عن سلطة القانون هو أجدى وأكثر أمناً وأبلغ تأثيرا, وذلك لم يأت من فراغ, فتراكمات القمع المخلوط بالفساد الذي شاب المؤسسة الأمنية في العراق ظل شاخصاً بوجه الناس, مما حدا بهم إلى الابتعاد عن كهولةٍ قاتلةٍ لأحلام المواطن في الارتكان إلى جهةٍ حريصةٍ على تحقيق العدل, وهذا الشك القاتل من لدن الفرد إزاء المؤسسة المتخصصة قاده إلى اللجوء إلى المتكأين سالفي الذكر (الدين/ العرف).
وبخلطةٍ عجيبةٍ من كليهما, نشأ المعيار المزاجي, المشوب بالتعصب, والمتحكم فيما يجري في ساحة الأحداث العراقية. ولا يخفى علينا حجم الخسائر التي باتت تهدد كيان الدولة بسبب استقواء التمترس العرفي والديني بوجه الدولة, ولعل ما يجري في البصرة وميسان وغيرهما من المحافظات خير دليل على تكريس مبدأ الجريمة المشرَّعة عرفيا بوجه عدالة السلطة, فمجموعة من العشائر تتناحر فيما بينها, وعلى مدى سنوات, دعتهم حاجة الاقتتال إلى اقتناء أنواع الأسلحة, وبالتالي استخدامها لتمرير عدة نشاطات تهدم اطر الحياة العامة, فحجة الدفاع عن النفس تتحول إلى حجة في الهيمنة على منافذ العيش, وحجة في امتهان تهريب بعض الممنوعات إلى داخل الوطن, ثم صناعة بذور دولة جديدة داخل متن الدولة الأكبر لا تؤمن بالقانون حاكما عليها, بل تسعى لمقارعته إرهابيا, وهذا الأمر لا يتوقف عند النزاعات العشائرية فقط, إذ يمتد ليكون وسيلة للجريمة تحت وطأة التهديد العشائري, ونحن نشهد كل يوم خبر تهديد لعنصر طبي, أو مهني, أو أمني, بل وصل الأمر إلى تهديد وكتابة عبارة (مطلوب عشائريا) على مؤسسات عامة وخاصة دون الاهتمام بحرمة الأمكنة, وهيبة الدولة, وقد أثر هذا الأمر بهجرة عدد غير قليل من العقول والمهن العراقية, فالتطور والتفوق ينشآن في ظلال مجتمع آمن وليس العكس.
ولا ينكر ما للعشائر العراقية من دور في حفظ الأمن واستتباب الحياة في أوقات وأمكنة عدة, لكن كسر هيبة القانون والدولة في عدة مواقع لا يفضي إلا إلى مزيد من الخراب, ولا يؤدي إلا إلى ترييف المدينة, بعد أن انتقلت هذه الممارسات من القرى النائية إلى مراكز المدن, مما أدى إلى ضعف الروح المدنية, وضرورة سعي المواطن إلى امتلاك السلاح للدفاع عن نفسه في ظل منظومة أمنية لا تحميه.
تحمل لنا الحملة التي تقوم بها الدولة أخيرا لمقارعة النزاعات العشائرية في الجنوب أخبارا طيبة, فهي محاولة جادة لإرجاع زمام الأمور بيد الدولة, وضرورة فرض احترام القوانين على الجميع, مما يتيح الفرص لنشوء وسط مناسب للتفكير وانتعاش الحركة الاقتصادية والمجتمعية, إلا أن ما تحتاجه مثل هكذا خطوات جريئة, هو جرأة أوسع في التصريح المباشر من قبل أصحاب القرار الأمني, في طمأنة المواطن وحثه على اتخاذ السبل القانونية لمعالجة مشكلاته, كأن يتم الضغط والتذكير بفقرات قانونية تحظر التهديد, وتسهيل مهام الشكاوى ضد من يتخذ العرف سبيلا له, وتوفير الحماية للأفراد العزل, للوصول إلى طريق يحصر السلاح بيد المنظومة الأمنية المرخصة فقط, وقد يتساءل القارئ عن دور الدين بوصفه متـــــَّـــكأ ثانيا في هذه المنظومة.. والواقع أن للسلطة الدينية دورا بارزا في قمع التوغل العرفي الذي يستند في جانب منه – زوراً – على تعاليم دينية, والتصريح المباشر بوساطة الفتاوى والوكلاء المرخصين للناس, بضرورة احترام القوانين, وتأثيم اتباع الطرق الخارجة عن القانون في نيل الحقوق.
ربما الحديث عن الأمر وتنفيذه يلاقي سهولة, لكن الواقع يظل أصعب بكثير, خصوصا في ظل غياب النوايا الناضجة والسليمة, ويظل كل ذلك مرهونا بيد السلطة الأمنية الحكومية, فبقدر ما تكون مستعدة لتحقيق أمن المواطن وطمأنته, سيكون حلم العيش في وطن تسود فيه أحكام القانون أقرب منالا, ويكفينا قوله تعالى: «يوم ينفخ في الصور فلا أنساب بينهم».

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*