ورطة الايديولوجيا.. المثقف والجماهير!! / بقلم : كريم عبد

(المثقف والجماهير)!! أكيد إن هذا العنوان قد أثار استغراب القراء. فرغم إنه ظل لعشرات السنين يتصدر الواجهات الإعلامية الحزبية والرسمية في العديد من البلدان العربية، إلا إنه يبدو الآن أقرب إلى التهكم منه إلى الجدية, والواقع إن أحد أبرز علامات الخلل في الثقافة العربية عموماً والعراقية ضمناً، هي إن ظواهر وعناوين وتعابير تسود في فترات معينة ثم تختفي فجأةً من دون أن تجد من يقف عند هذه المفارقة: كيف تنشأ الظواهر الثقافية أو السياسية وتتكرس وتُغطّي على ما سواها كظاهرة المثقف الثوري أو الجماهيري؟ وكيف ولماذا اختفت ثم تحوّلت إلى ذكرى لا تُشجع حتى على الإستعادة !!.
ربما كان السبب كثرة الأحداث وتسارعها أو تغير دور المثقف وسقوط الأقنعة الآيديولوجية أو إن بعض الأحزاب، وربما كلّها، تعتقد إن المراجعات النقدية هي نوع من العداوة لأنها تؤدي إلى فضح الأخطاء! وكأن الأخطاء كنز تجب المحافظة عليه!  فأحزابنا تفضل أن تبقى مثقلة بهذه الأخطاء إلى الأبد، على أن ترى صورتها الحقيقية في مرآة النقد! وهذه أحد علامات تخلف حياتنا السياسية عموماً.
ولنعد إلى سياق الموضوع: منذ أكثر من نصف قرن بدأت تتشكل وتتسع ظاهرة (المثقف الثوري) أو المثقف الجماهيري – وبضمنها شاعر الجماهير – على حساب ظواهر أخرى، سلبية وإيجابية، إذ اقترن كل ذلك بنشوء واتساع الأحزاب الثورية. وما يمكن تأكيده أولاً هو إن ظاهرة (المثقف الثوري) لم تأت اعتباطاً، بل هي ارتبطت بالوضع العربي ومستوى النضج الاجتماعي السائد آنذاك، بالإضافة لانعكاسات الأوضاع السياسية الدولية على الحياة العربية.
لقد اقترنت الصحوة السياسية العربية التي مثلتها أحزاب (حركة التحرر الوطني العربية) منذ الخمسينيات، بخلل بنيوي رافق نشوء تلك الأحزاب وطبيعة توجهاتها الثقافية. ويكمن هذا الخلل في النهج الأحادي الجانب، أي في النظر للمصالح الوطنية من خلال طبقة واحدة ونظرية واحدة ومركز عالمي واحد للتحرر الوطني رغم وجود اختلافات وعداوات أحياناً. وهذا ما غيّبَ الديمقراطية داخل البنية التنظيمية لهذا الأحزاب وجعل من الصعب عليها أن تتعامل مع الآخرين بطريقة ديمقراطية.
هذه الأحزاب الثورية لم تستطع الانتباه لذلك الخلل باعتباره مصدر أزمة ستظل ترافقها في مراحل الصعود والانحسار، بل هي ظلت تراه ميزة وامتيازاً، ليس فقط في مواجهة أحزاب وتوجهات لها مواقع طبقية وثقافية مختلفة، بل وأيضاً في مواجهة أحزاب الطبقة ذاتها التي لها وجهات نظر متباينة في هذا الموضوع أو ذاك. فقد كانت مقولة لينين الشهيرة: (إذا كان هناك حزبان شيوعيان في بلد واحد، فهذا يعني إن أحدهما انتهازي) تتصدر شعارات كل حزب ثوري في بلده لقمع الآخرين، إذ تم تطبيق هذا الشعار من قبل جميع الاتجاهات الأخرى.
وكل هذا كان يعني إلغاء أي بعد ديمقراطي ممكن. فلكي يصبح الحزب الثوري وحيداً في الساحة، يكون عليه أن يلغي (حق الاختلاف) لأي طرف، داخل الاتجاه وخارجه. فداخله يصبح أي اختلاف نوعاً من الانشقاق والانحراف الفكري. وخارجه فإن تهمة العمالة والرجعية جاهزة ومعروفة لكل من يحاول التساؤل عن الحقيقة. فهذه الأحزاب ظلت تعمل باعتبارها وصيّةً على كل ما هو وطني وتحرري وإنساني!
وإذا كانت عملية إلغاء (حق الاختلاف) داخل الطبقة والمجتمع هي عملية تعسفية يُراد منها إلغاء (حركة الواقع الموضوعي) التي طالما تشبثت بها تلك الأحزاب. ففي ظل هذا الاختناق الفكري والسياسي، نشأت وترعرعت ظاهرة (المثقف الثوري).
لقد كان المطلوب من هذا المثقف أن يتحمل أعباء القضايا الوطنية برمتها، فالمفترض به أن يكون في مواجهة (الأعداء الآيديولوجيين) وفي مواجهة أفكار الفئات المحرومة ثقافياً والمقيمة داخل تقاليد موروثة منذ قرون، وهي فئات واسعة وشبه راسخة داخل المجتمع ومؤسساته، بل وتمثل واقعياً أكثرية المجتمع. وإذا كانت هذه المهمة بمثابة ورطة أكثر من كونها مهمة، فإننا بالمقابل نجد حماسة (المثقف الثوري) لا تحدها حدود، فقد قالوا له ان كل ذلك يمكن أن يُمحى بين ليلة وضحاها. فمن بديهياته إن تغيير علاقات الإنتاج سيؤدي إلى تغيير المفاهيم والتقاليد الاجتماعية، بل يلغي طبقات واتجاهات، ويضع الوطن على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة، هي مرحلة العدالة والرفاه.
وكل هذا لا يدخل من باب البديهيات والمبادئ فقط، بل وأيضاً هو حتمية تاريخية، وهو من اختارته الأقدار لتنفيذها. وبالتالي فإن كل من يعترض على حتمية هذه الآيديولوجيا وتاريخيتها، فهو أما رجعي أو مشبوه أو متخلف.
وهكذا كان على هذا المثقف أن يلعب دور الدعامة الآيديولوجية أو كاسحة ألغام ثقافية، أي أن يصبح أداة لإلغاء أية نزعة ديمقراطية محتملة، أو أي اختلاف محتمل لاسيما داخل الوسط الثقافي.
كانت هذه الظاهرة سائدة حتى نهاية السبعينيات. وبمزيد من النوايا الحسنة والاستعداد الكبير للتضحية الفعلية، انتقل هذا المثقف من دور التنوير لدور القمع، وظل يمارس القمع بانسجام تام مع نفسه، فهو لا يطمح فقط لسماع كلمات الإطراء من المكتب السياسي والأمين العام، بل وأيضاً يعتبر ممارسة هذا النوع من القمع في صلب مهماته الوطنية وبرنامجه للدفاع عن مصالح الجماهير! لقد كان عبداً للآيديولوجيا إذ تقوده أوهامها حيث تشاء، أحياناً ضد نفسه وأحياناً ضد آخرين.
وهو لا يفعل ذلك اعتباطاً، بل هو مستفيد معنوياً أو مادياً أو كلاهما ولو بشكل بسيط، لكن الفائدة لم تكن حافزه الأساسي، بل مشكلته تكمن في عبوديته الحزبية، فقد حوّلتْ الأحزاب الثورية السياسةَ إلى عداوات وضغائن، إذ غالباً ما يبدأ الإنقلاب العسكري الذي يدبره هذا الحزب أو ذاك، بالاعتقالات وربما المجازر!!
إن أي مثقف ينحدر من أصول شعبية ولا يلتزم بهذا المنهج يصبح خائناً لطبقته، وإذا اختلف وأصر على الاختلاف فهو في عداد من تحوم حولهم الشبهات.
وكل هذه وظائف يؤديها المثقف الثوري أو الجماهيري في سياق حياته، فهو يتصدر المظاهرات الوطنية – وربما يستغرب إذا ما وجد غيره ممن يختلف معهم في نفس المظاهرة – وهو يجيب على شتى أنواع الأسئلة، بدءاً من علوم الطبيعة وليس انتهاءً بالتاريخ وقضايا المرأة !! وكثيراً ما يحدث إن هذا المثقف ليس مثقفاً حقاً، أي إنه بدون مؤهلات معرفية تمكنه من الإجابة عن كل تلك الأمور، لكن احتلاله هذا الموقع وشهرته التي تنمو باطراد، بالإضافة إلى كونه يمثل سمعة الحزب الثقافية، كلّ هذا يفرض عليه أن يجيب على مختلف أنواع الأسئلة. وبالتدريب أصبح متمكناً من حفظ الجمل الجاهزة والأجوبة العامة وحتى السطحية أو المغلوطة أحياناً. فكل شيء ممكن ما دام السائل جاهلاً بفحوى الجواب ومعوّلاً على أريحية وشمولية هذا المثقف الثوري!
ولاعتقاده بأنه مسؤول عن كل ما يجري في هذا العالم، كثيراً ما تشوب نظرة هذا المثقف نزعة رومانتيكية مثالية وأحلام هي أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع، وبسبب ذلك فهو في أول نكسة سياسية جعلته أمام هشاشة وعيه وجهاً لوجه، سرعان ما ارتد إلى ذاته، وربما إلى عقده الشخصية. وإذا كان موغلاً في رومانتيكيته ومثاليته سيظل أسيراً لعقدة إضافية، هي عقدة الشعور بالذنب. وبدافع من تلك الهشاشة، فإن هذه العقدة غالباً ما تكون ناتجة عن أخطاء وخطايا لم يرتكبها هو، بل يصبح ضحية لها بالنيابة عن قيادته التي ارتكبت تلك الأخطاء والخطايا.
هذه الثقافة التي تتراوح بين الشعارات و الفولكلور وضيق الأفق السياسي والعقد النفسية أحياناً، ليست هي كل أبعاد الصورة، ففي حالة ازدياد حجم وتأثير الحزب يكون على هذا المثقف الثوري أن يستعد للتدخل في أهم الشؤون الثقافية وأكثرها دقة وحساسية، بدءاً بالاقتصاد مروراً بمناهج التعليم وليس انتهاءً بالمسرح والشعر والرواية والفـــــــــن التشكيلي.
لأن كل هذه الأمور تخص الجماهير، وما دام هو الوصي على هذه الجماهير، يصبح بإمكانه أن يمارس غريزة القمع التي تتطور لديه باطراد، ضد كل كاتب أو فنان يُعتقد بأن أطروحاته أو أشكال تعبيره لا تخدم (القضية). وهكذا تصبح صحافة الحزب التي يهيمن عليها هذا النمط من المثقفين، وسيلةً للترويج أو العزل، مع أو ضد هذا الفنان أو ذاك الكاتب.
وإذا أصبحت رموز ومنابر هذه المعمعة الثقافية بعيدة عن التأثير الآن، فهي لعقود خلت طبعت المرحلة بطابعها، فلم يكن بإمكان أي مثقف أن ينفذ للوسط الثقافي دون أن يخضع لشروطها كلياً أو جزئياً. والمسألة كانت ضريبة لابد من دفعها ليُـبعد عنه الشبهات واحتمالات العزلة التي ذهب ضحيتها العديد من خيرة الكتاب والمبدعين في البلدان العربية.
ومقابل ذلك أصبحنا أمام أسماء (نقدية) و (فكرية) و (أدبية) تُشرف على المنابر الأكثر شيوعاً، وبالتالي فهي التي تقرر مصائر المبدعين وشهرتهم ومكانتهم! حيث كُرست العديد من الظواهر الزائفة في مجالات الفن والأدب، والأدلة كثيرة ومعروفة. لكن (الواقع الموضوعي) ذاته، بما حمل من تغيرات وانقلابات خلال السنوات الأخيرة، مع الأخذ بنظر الاعتبار درجة سلبيتها وإيجابيتها، أكد ب(الوقائع الملموسة) خواء أطروحات ومواقف هذا المثقف الثوري وتعسفها، والتي طالما مورست باعتبارها بديلاً ثقافياً وخلاصاً وطنياً !!

حجز الفنادق

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*