نكبتنا الحقيقية الكبرى ( طارق رسن

أعتقد إنه ومنذ العام 2003 تقريبا ، العام الذي أطاحت فيه الجيوش الأميركية بنظام البعث البائد ، وشهر حزيران صار يأتي ويمضي مثل بقية أشهر السنة الأخرى ، سواء في العراق أو في دول المنطقة العربية . تمر أيامه بلا ضجيج وأناشيد وطنية صاخبة ، أو هتافات هادرة تصم الآذان ، وبلا مسيرات جماهيرية حاشدة أخرجت قسرا ، ترفع شعارات كتبت من قبل دوائر رسمية متخصصة تتوعد فيها إسرائيل بالويل والثبور ، وتحمل فيها صور القادة والزعماء وتشيد بمنجزاتهم وما حققوه من خوارق ، وتشير إلى ما ترفل به الشعوب من نصر وفخر في ظل قياداتهم الحكيمة ! . ولم نعد نسمع القصائد الرنانة من شعراء السلاطين وهم يرفعون عقيرتهم جاعلين من كل قير تافه أو متوه ، بطلا قوميا وحارسا أمينا للأمة وملهما لمسيرتها الظافرة!
ما عاد يحدث شيء من ذلك رغم انه كان يحدث وباستمرار على مدى أكثر من أربعين سنة خلت كلما اطل علينا شهر حزيران، ففي الخامس من ذلك الشهر عام 1967 اندلعت الحرب بصورة مفاجأة بين الجمهورية العربية المصرية وبين إسرائيل ، كانت حربا خاطفة وسريعة بكل المقاييس ، حسمت نتائجها في ساعاتها الأولى ، بعدما انقض سلاح الجو الإسرائيلي ليوجه ضربات مدمرة للطائرات المصرية المقاتلة الجاثمة على ارض المطارات ، ليحرم الجيش المصري من الغطاء الجوي اللازم لحمايته في ارض المعركة ، وليصبح جنوده ومعداته الحربية صيدا سهلا لنيران الجيش الإسرائيلي . لقد كانت صدمة مروعة للشعوب العربية الغافية على شواطئ الشعارات البراقة ، جعلتها تفز من غفوتها مذهولة لتشاهد بأم عينها ما آلت إليه نتيجة الحرب ، وكيف إن جيشا صغيرا استطاع أن يحتل أجزاء واسعة من الأراضي المصرية والسورية والأردنية في حرب لم تدم سوى ستة أيام فقط ، بل هناك من يقول إنها ست ساعات لا أكثر !. وبدأت الحقيقة المرة تتضح ، حقيقة الواقع المخزي الذي تعيشه الشعوب العربية وأنظمتها من الداخل وعلى كل المستويات ، برغم المحاولات الكبيرة من قبل الأنظمة السياسية آنذاك  إخفاء تلك الحقيقة خلف واجهات لماعة من الادعاءات والبطولات الكاذبة والشعارات المزيفة وهي تزقها لشعوبها كخبز يومي تقتات عليه صباح مساء .
وبدلا من أن تعيد الأنظمة السياسية النظر في سياساتها القمعية المشوهة تجاه شعوبها وتجاه دول العالم بما يصب في خدمة الصالح العام ، ويحقق الرفاه والعدل والتقدم للشعوب العربية المنهكة ، ويعيد الثقة إلى نفسها لتواكب تطورات العصر الحديث ، بدلا من ذلك عمدت تلك الأنظمة إلى استثمار نتيجة الحرب لصالحها . وأول ما عملته بهذا الصدد إنها أطلقت على هزيمة حزيران اسم النكسة أو النكبة لتلقي في روع الجماهير بأن الأمور كانت تسير على خير ما يرام وان الأنظمة تحث الخطى ضمن السياق الصحيح في طريق التقدم والتطور وبناء الإنسان .. لولا تلك الكبوة التي أوقفت وعطلت كل شيء ! . وبدأ الطغاة يتفننون بخطبهم النارية ، وهم يطلون في المناسبات من المنصات العالية على الكتل البشرية المحتشدة تحتهم ، والملتهبة حماسا وانفعالا ، يلوحون لهم بأيد تقطر دما ، متوعدين إسرائيل وعملاءها بالهلاك والدمار إذا ما فكرت يوما أن تقترب من عرين الأسد العربي الهائج ! ، فما إسرائيل إلا حشرة صغيرة بإمكان الشعوب العربية سحقها بأقدامها إذا ما اصطفت خلف قادتها المجاهدين المؤمنين ، وخلف جيوش تقاتل معها ملائكة السماء ، لذا فهي لا تعرف الهزيمة أبدا ! . والويل لمن يبدي رأيا مغايرا لرأي الحاكم الأوحد والزعيم المطلق فسجونه وزنازينه المظلمة على استعداد تام لأن تلتهم الجميع . وكان للدعاية والإعلام دور مميز في حرب تغييب الوعي الطويلة ، حيث سخرت المؤسسات الحكومية كل طاقاتها وإمكانياتها لتوجيه الشعوب نحو أهداف محددة وأغراض معينة تتوافق مع رغبات الطغاة وتحفظ لهم امتيازاتهم وسلطاتهم لأطول فترة ممكنة . حتى بعد أن ثأر الجيش المصري الشجاع في عام 1973 لهزيمة حزيران واستطاع ببسالة أن يعبر قناة السويس ويحرر ما اغتصب من أرضه ، ظلت الأنظمة السياسية العربية تسير في اتجاه تغييب الوعي وشل القدرات وكبت الحريات ، مع المزيد من الشعارات الخلابة ، فهي لا يروق لها أن تستفيق شعوبها من أحلامها وتنسى إن لها عدوا خارج الحدود يجب أن تثأر منه ، فلربما بعد ذلك تلتفت لواقعها المتعفن و تطالب بالتغيير والإصلاح .
لقد قامت قيامة الأنظمة العربية المستبدة بعدما وقع الرئيس المصري الراحل أنور السادات اتفاقية السلام مع إسرائيل ، ووصمت السادات بالعمالة والخيانة والتآمر ، وقطعت علاقاتها مع مصر ، رغم إنها كانت على وفاق تام مع إسرائيل بموجب اتفاقيات استسلامية غير معلنة . لقد تذكرت هزيمة حزيران عام 1967 الهزيمة الوحيدة المعترف بها من قبل الأنظمة العربية في كل تأريخها الطويل الحافل بالهزائم والانكسارات . تذكرتها وأنا أشاهد من على شاشات الفضائيات الملايين من المصريين وقد احتشدوا في ميدان التحرير بالقاهرة وفي كل المحافظات المصرية في يوم الرابع والعشرين من حزيران الماضي . رقصوا وابتهجوا كثيرا حالما أعلنت اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية النتيجة النهائية لأول انتخابات ديمقراطية حقيقية يخوضها الشعب المصري بنجاح . خطر في بالي إن المصريين لم يناموا في تلك الليلة الحزيرانية القائظة فقد أطارت الفرحة النوم من عيونهم كما يعبرون هم في لغتهم الدارجة.
مبعث الفرحة ليس في فوز احد المرشحين بالرئاسة إنما يكمن وهذا ما اعتقده وأرجوه في إن المصريين بدأوا يستردون وعيهم  ويكتشفون أخيرا حقيقة نكبتهم وهم يحاولون تدريجيا أن يتجاوزوها! . كذلك الشعوب العربية التي دحرت طغاتها مؤخرا اكتشفت ولو بعد عقود من الزمن إن أولئك الذين كانت الأيدي تلتهب بالتصفيق لهم، ويقابلون بالتهليل والتكبير والزغاريد، وتوضع صورهم في مدارس الأطفال وفي الشوارع والساحات والدوائر والأسواق… أولئك الذين كانت أعينهم تحدق بنا في كل مكان تهددنا وتتوعدنا وتمنينا بالسراب هم نكبتنا الحقيقية الكبرى، واليوم علينا أن نعترف بشجاعة بأننا نحن من صنعناهم ونحن من دفع الثمن باهظا، ولكي ينعم أبناؤنا وأحفادنا والأجيال القادمة بحياة ليس فيها نكبات مثل تلك التي عشنا ويلاتها ومصائبها يجب أن لا نكرر المأساة مرة أخرى.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*