نضج الثورة المصرية ( حسن الكعبي

بغض النظر عن التعاطف مع الشارع المصري او عدم ابداء التعاطف مع نظام مرسي الا انه لابد من ابداء ملاحظة بشان الانقلابات المستمرة في مصر مفادها ان  الاستمرار على هذا النحو في مصر سيعمل على تغيير وجوه الانظمة يتم انتخابها من دون ان يغير الاسس التي قامت عليها الانظمة، ويبقى مرسي في نظر ادنى مراقب  سلفيا، لكن من يضمن الرضا على النظام الذي حل بديلا عنه؟ وهل سيعمل في اطار توجهات دستورية عمل عليها الشارع، اعتقد ان الشارع سيعمل على الاطاحة بالنظام التالي، طالما ان هنالك غيابا للاسس الدستورية، فالمسألة لا تتعلق بسلفي او علماني انما بنظام من المفاهيم التي تحكم توجهات الانظمة سواء كانت سلفية او علمانية، والحياد عن هذه التوجهات هو الذي سيستدعي الانقلاب والا فان مسلسل الانقلابات في مصر سيبقى على حاله .
ان الاخذ بهذه الملاحظة لا يعني افساح الطريق امام تقولات بعض المحللين السياسيين التي ترى ان الثورة المصرية الجديدة او ثورة الثلاثين من يونيو تصب في اطار الندم على اسقاط نظام مبارك واختيار نظام مرسي السلفي المتشدد الذي تمكن المصريون من اسقاطه .
ان هذا النوع من التحليل يعاني من قصور في التعاطي مع الثورة واهدافها، فالثورة الحالية في الحقيقة هي استكمال لمشروع التصحيح  الذي بدأه الشباب المصري في الخامس والعشرين من يناير، وهي تعبير عن نضج الرؤية السياسية عند الشارع المصري الذي بدأ يعي اختياراته، وان صعود النظام السلفي المتشدد الى سدة الحكم كبديل لنظام مبارك لم يكن بأي شكل من الاشكال نتاج خطأ في اختيار الشارع المصري، ذلك ان الشارع المصري كان في طور الاختبار والتجربة التي احتكمت الى الانتخابات الحرة التي اسفرت عن فوز نظام سلفي لم يتعرف الشارع على نواياه وعلى ما يحمله من اجندة ايديولوجية تجنح الى القمع والاقصاء وما ان لمس الشارع تجليات النوايا وطابعها الايديولوجي الاقصائي لم يتردد في تصحيح ما يمكن ان نطلق عليه تجوزا بالخطأ غير المقصود في اختيارات الشارع المصري بعد احداث التغيير، لان اية ثورة ومهما كانت واعية وقيادتها على درجة كبيرة من الوعي لابد ان تعلق بها بعض الاخطاء الكبيرة او الصغيرة والتي ستعمل قوى الثورة على تداركها وتجاوزها وهذا بحد ذاته بحسب للثورات ويعبر عن اصالتها، ولا يمكن النظر اليه على انه من العيوب الكبيرة للثورات العجولة غير المدروسة كما يحلو للمراقبين ان يضعوا الثورة المصرية في خانتها، لكن وبالعودة الى ما بدأنا به فان تعاطفنا مع الثورة يجعلنا ننظر الى عيوبها من زاوية عدم ترصين الاسس والبناءات المفاهيمية الديمقراطية التي يحتكم اليها في الاختيار للنظام او الاطاحة به لان عدم وجود مثل هكذا سعي لصناعة الدساتير سيجعلنا نتساءل ما الذي ارتكبه مرسي الذي جاء بارادة انتخابية ليكون دافعا للانقلاب ونفس السؤال سيتكرر مع النظام الذي حل بديلا عنه، وهذا مكمن العيب الذي لا بد ان تتجاوزه الثورة المصرية .
ان هذه العيوب التي اشرنا اليها لا يمكن النظر اليها على انها عيوب جوهرية لان العيوب الجوهرية تكمن في الارتضاء بواقع الحال والاستجابة الى قدريته، والثورة المصرية لم تركن الى هذا النوع من الارتضاء لقدرية الواقع، كما انها لم تصرح ان البديل لنظام مبارك كان هو البديل الاصح، بل ان جميع معطيات الثورة ما بعد التغيير كانت تشير الى ان الشارع المصري ما زال في حمى احتدامه في البحث عن الخيار الاصلح والافضل للبلد، وان واقعا كهذا يجعل الثورة مثالا يحتذى فهنالك تجاوز للامتثالات القدرية وهنالك تواصل والاستمرار في البحث عن البدائل والاحتكاك بمفاهيم وقيم امثل يسعى الشارع المصري الى اختبارها واستيلادها واستزراعها داخل ارضيته، وطبعا ان محاولات كهذه اجدى بان تحظى بالاحترام وبان تدرس دراسة عميقة تجعل من الثورة المصرية نموذجا متفردا في خريطة الوعي العربي الذي ظل ميؤوسا منه الى سنوات طويلة شريطة ان تعمل هذه النموذجية الثورية  في اطار اصلاحات الاسس في منظومة الفهم السياسي وان لا تبقى حبيسة الاختبارات والتجريبات  التي لربما  تفقد الثورة اصلحيتها وامتيازها كانموذج في ربيع الثورات العربية.

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*