نحو منهج جديد للسياسة العراقية ( د. نعمه العبادي

يقال ان المحقق الحلي(رحمه الله)، وهو احد كبار علماء الشيعة سأل ولده يوما ما: ماذا تتمنى ان تصبح؟ فأجابه :أتمنى أن أكون مثل المحقق الحلي، فرد عليه : أحسنت يا ولدي ولكن هذا يعني انك لن تكون المحقق الحلي,لأني تمنيت أن أكون جعفر الصادق وعملت لهذه  الأمنية فكانت النتيجة أن كنت المحقق الحلي.
على الرغم من أن المدارس الواقعية في السياسية هي الأكثر قبولا وتأثيرا في الساحتين النظرية والعملية اليوم إلا أن هذا لا يعني أن الدول والجماعات الناجحة في سياسيتها أسيرة الواقع وحبيسة تداعياته ومهووسة بمغانمه ،بل لا بد للناجحة منها أن تكون سقوف طموحاتها عالية بالقدر الذي لا يخرج تلك الطموحات من الأحلام المشروعة إلى الأوهام والتخيلات التائهة.
لا شك في أن الاستحقاق الأكبر أمام السياسة الخارجية العراقية بعد نيسان 2003 بخصوص العلاقات العربية – العراقية هو إعادة العلاقات إلى أجواء الصفاء والتقارب وإزالة الاحتقانات والتداعيات التي خلفتها سياسات الأنظمة السابقة وعلى رأسها غزو الكويت وما تبعه من نتائج، ومع أني تنظيرا وعمليا كنت أطالب بهذه النتيجة لسياستنا الخارجية،إلا أني أجد اليوم أن السبب الذي أبقى النتائج(في احد الجوانب) أقل من المرتجى ،هو الأمنيات والتطلعات ذات السقوف المنخفضة التي سارت عليها الحكومات العراقية وقواها بعد نيسان 2003.ففي  ظل محرقة الإرهاب وزحام الموت وتكالب الشر على العراق الجديد صار البحث عن زيارة لمسؤول عربي أو فتح سفارة أو حتى ممثلية أو إقامة صفقة تجارية تعد علامة تطور وانجاز خطير في مجال السياسية الخارجية العراقية.
اليوم وتحت وطأة الشعور بالألم لجهلنا بحقيقتنا وجهل وتجاهل الآخرين لموقعنا ومكانتنا ومن منطلق أن المفكرين والباحثين عليهم أن يسبقوا السياسيين بخطوة على الأقل في إطار التفكير، وفي ظل جملة من التغيرات المهمة في المنطقة،أدعو إلى نهج جديد في السياسة العراقية الداخلية والخارجية ,يروق  لي أن اسميها ب(السياسة الطموحة).
ففي السياسة الخارجية تستهدف هذه السياسة (الطموحة) نقض المقولات الوهمية التي عملت قوى داخل وخارج المنطقة على استقرارها وتحوليها إلى قناعات أبدية , بحيث رضخ لها حتى العراقيين أنفسهم وتعاملوا على أساسها , وابرز هذه المقولات :أن مصر والسعودية هما زعماء العالم العربي ،وان قيادة الجامعة العربية لا بد أن تكون مصرية ,وان أي شأن مصيري للدول العربية لابد أن ينفذ من بوابة مصر والسعودية.
عملت القوى الخارجية المهتمة بالمنطقة وذات النفوذ فيها وعلى رأسها الولايات المتحدة على ترسيخ هذه المقولة ورتبت علاقاتها على أساسها ومحورت قوى المنطقة من هذا المنطلق, وقد دعمت هذا الاتجاه في أن جعلت هذين النظامين قبلة التغيير بوصفهما يمثلان ما أطلق عليه بمحور الاعتدال ,بالإضافة إلى تركيا التي أريد لها أن تأخذ دورا مزدوجا , فمن جهة تستقوي بالدعم المصري والسعودي وبمباركة (الأزهر وعلماء مكة والمدينة), ومن جانب آخر تمثل قوة دعم لهاتين الدولتين في إطار العمل على زعامة الشرق الأوسط والمنطقة وإدارة مصيرها والسيطرة على تحدياتها.
وإذا كانت الدول العربية وعلى رأسها دول الخليج ومصر,تنظر إلى (عراق صدام) بمزيد من الأهمية والاعتناء لأسباب عديدة لا مجال لذكرها هنا, فإنها اليوم وتحت ذرائع متعددة تعتبر العراق بمثابة المريض الذي في أقصى ما يمكن النظر إليه مراقبة وانتظار حالة تحسنه من اجل نفسه وحدوده لا أكثر من ذلك, بمعنى لا يوجد في ثنايا أي خطاب عربي حث ومطالبة للعراق لإمكانية لعب دور محوري ومؤثر, وتحاول كل الخطابات العربية الرسمية والشعبية تصوير العراق على انه كالصومال أو أية دولة نائية في آخر أصقاع الدنيا, كما أن هناك بروباغندا مفادها “إن عراق اليوم نظام طائفي وكيان معلول” , وقد سعى الإعلام العربي والأجنبي الى ترسيخ هذه المقولة, فصرنا بفضلها لا نتطلع إلى أكثر من حماية حدودنا من الاعتداءات واسترجاع أراضينا من النهب.في مقالة سابقة لي عن”العراق ومحنة الجغرافية” أوصيت في خاتمتها باستعمال امثل “للقوة الناعمة العراقية” من اجل صد الاعتداءات التي تواجه العراق،واليوم أطالب بتجاوز هذه المرحلة إلى مرحلة متقدمة ابعد من دائرة حماية امن العراق وحدوده ، بل الدخول إلى دائرة العراق “كفاعل إقليمي ودولي ومحوري في المنطقة والعالم”.
تقول الحكمة :لا يمكن أن يحترمك الآخرون دون أن تحترم نفسك وتثق بقدرتك، لذلك لا بد أن يثق العراقيون(شعبا وحكومة),أننا الأولى بقيادة العالم العربي أو على الأقل نكون احد أطراف قيادته لكل ما يملكه العراق من قدرات وإمكانات وتاريخ ومستقبل ,سواء كان الأمر في إطار الحسابات الحضارية والثقافية أو في إطار حسابات السياسية الواقعية ومدارسها الحديثة.
هذه الدعوة,لا بد أن تتحول إلى عقيدة ورأي عراقي ومطلب شعبي وحقيقة يحملها العراقيون في حلهم وترحالهم ويتصرفون على أساسها ,ولا بد للحكومة في شقيها التشريعي والتنفيذي أن تخطط سياستها وتصرفاتها على هذا الأساس.
قد يقابل البعض هذه الدعوة بالسخرية والضحك مدعيا أننا غير قادرين على إدارة أنفسنا وتسوية مشاكلنا فكيف نؤثر بالعالم المحيط والبعيد, وهو على حق بنسبة معتد بها,إلا أني اعتبر إطلاق السياسية الطموحة وهذا المستوى من التطلع احد المفاتيح للوصول إلى إدارة ناجعة وحكيمة لشأننا الداخلي.
إن “السياسة الطموحة” هي شعار لا بد أن تصاغ حوله ولأجله عقيدتنا السياسية (في الداخل والخارج)،وان تكون إحدى مواد مناهجنا الدراسية وأناشيد أطفالنا وكبارنا، فمثلما يعتقد المصريون أن مصر أم الدنيا ويحاولون إقناع العالم بذلك ،رغم ضعف المقومات الداعمة لهذا التوصيف ، فلماذا لا يكون العراق “أبو الدنيا” وهو أجدر بهذا وأحق من غيره.
اعتقد أن العرب لن يضعوا هذه المكانة أمام العراقيين على طبق من ذهب ولن يكونوا محايدين تجاهه, وقد يقف المستفيدون العالميون بوجهنا بضراوة,لكن هذا ينبغي أن يزيدنا إصرارا وثباتا على حقنا المشروع.
إن التطلع إلى هذا الموقع ليس من باب حب الإمرة والزعامة ولكنه استحقاق طبيعي وضروري يجر بالخير والصلاح على العراق والمنطقة والعالم.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*