نحن والفيدرالية / بقلم : عبدالرضا الجاسم

قليلا ما تنتج لحظات التأزم حلولا ستراتيجية، لأن خيارات الأزمة في الغالب تشبه الانحناء أمام عاصفة، يكون اهتمامها بعبور ظرف غير طبيعي أكثر من عنايتها بتأسيس واقع جديد قابل للحياة والديمومة، أي هي حلول وقتية مرهونة بظرفها، ولا تصلح لغيره إلا ّ في استثناءات ليست كثيرة، أما في الأعم الأغلب، فهي ترقيع لواقع مأزوم، ريثما تضع الأزمة أوزارها، ليركن الجميع إلى تفكير هادئ، لا تقتحمه أصوات الخلاف وردود الأفعال، فيتعجل هذا الطرف أو ذاك قراره، ليكون حصادا في غير أوانه، وقد نستطيع أن نتفهم قرارا متعجلا في إطاره الفردي، أما موضوع الفيدرالية، فهو قرار استراتيجي يتعلق بحياة شعب ومستقبل بلد، وليس في وارد المنطق السليم أن يولد في بيئة مشحونة بالانفعال والتشنج.. ولا شك أن المشهد العراقي الراهن، لا تتوفر فيه شروط اتخاذ قرار الفيدرالية، فالخلافات غير المحسومة حتى الآن، ومخاوف الاستقطاب الفئوي، وأجندات التدخل الخارجي، فضلا عن المخاوف الأمنية، كلها تقف حائلا أمام رؤية واضحة، تقرأ الواقع العراقي قراءة موضوعية، وتستشرف المستقبل بجميع احتمالاته، لتؤسس نظاما لا ينفرط عقده أمام أقرب مشكلة على الطريق، وقطعا، ستكون الخطوة الأولى والأهم نحو تطبيق الفيدرالية، هي تجاوز الاستقطابات الفئوية بكل أشكالها، لأنها ستجعل من الفيدرالية وصفة مثالية للتقسيم، أو اسما آخر له، وقد جربنا شوطا مهما في ميدان التسميات، ورأينا أسماء كثيرة يحملها مسمى واحد، كالمحاصصة مثلا، وعودتها في كل مرة وهي تحمل على صدرها اسما جديدا، لذلك، لا يمكن المجازفة بتقسيم العراق في المراهنة على تغيير الأسماء.
إن المتحمسين لموضوع الفيدرالية، لا ينطلقون من خط الشروع نفسه، فإن فئة منهم تنظر للفيدرالية بمستواها النظري، ويغفلون عن مدى انطباق هذا المستوى على الواقع العراقي، الآن في الأقل، فإن النظام الفيدرالي أثبت نجاحا كبيرا في كثير من دول العالم، يقف بعضها في الطليعة، تقدما واستقرارا، ولكن هذا لا يعني نجاحها في كل مكان بلا قيد أو شرط، فإذا جمعنا صورة الفيدرالية البراقة، مع ما يعانيه العراق الآن من ظروف استثنائية، فالنتيجة ستميل لجهة التقسيم والتشرذم أكثر من ميلانها لصالح النجاح والأماني العريضة التي يحملها هؤلاء المتحمسون، وهذا ليس ذما للفيدرالية من حيث هي نظام أثبت نجاحه، بقدر ما هو نظرة واقعية لراهن يحتاج إلى مزيد من الوقت لتجربة بهذه الأهمية.
أما الفئة الأخرى من الداعين لتطبيق الفيدرالية، فقد رفعت شعار تهميش المحافظات أو إهمالها من قبل الحكومة المركزية، وتحت هذا الشعار كلام كثير ، فإن تردي الواقع الخدمي في المحافظات يتحمله الجميع، وليس طرفا واحدا، تتحمله مجالس المحافظات التي فشلت في تحويل ميزانياتها إلى واقع تلمسه حياة المواطن، فجاءت لتلقي بحملها كاملا على أكتاف المركز. ويتحمله المركز، لأن الانشغال بالتجاذبات السياسية والخلافات، ذهب بالكثير مما كان يمكن تحقيقه، لولا احتلال مشاكل السياسة لمساحة كبيرة من الاهتمام على حساب المشاكل الأخرى، وتحت ظل هذا الوضع وجد البعض من مجالس المحافظات أن الحل ستحمله الفيدرالية، من غير النظر إلى الواقع العراقي كلا متكاملا، بل اكتفوا بحصر النظر في زاوية ظرفية، وهنا على الحكومة المركزية أن تصحح جميع الاختلالات في علاقة المركز بالمحافظات، سواء من جهة منح المزيد من الصلاحيات لحكوماتها، أو بتخصيص الأموال اللازمة لتغيير الواقع السيئ لمواطنيها، مع رقابة كبيرة على وجوه إنفاق الميزانيات وتنفيذ المشاريع وفق المواصفات المطلوبة أولا، وترتيب المشاريع المطروحة حسب أهميتها لحياة المواطن ثانيا، لقطع الطريق أمام اتخاذ قرارات انفعالية لا تخدم العراق في هذا المفترق التاريخي الحساس، ويبقى الهاجس الطائفي والأمني، هو الأكثر حساسية في الدعوة لتطبيق الفيدرالية، فنحن نريد بلدا آمنا وموحدا، شعبا وأرضا، وإذا كان النظام الفيدرالي يمس هذا الخط الأحمر، فليس من الحكمة أن نورط أنفسنا في احتمالات غير محسوبة في هذه المرحلة الحرجة، لكن هذه المطالبات، مع ذلك، تبعث رسالة يجب على الجميع أن يقرأها بما تستحق من اهتمام، سواء الحكومة المركزية أو مجالس المحافظات أو المواطن، فإن الانشغال بالخلافات السياسية، أو النظر إلى الواقع بعين الأماني، أواتخاذ قرارات غير مدروسة، هي آخر ما يحتاجه الوضع العراقي الآن.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*