ميناء الفاو الكبير والمشاريع الكويتية المضادة / بقلم : صادق كاظم

ذهاب الكويتيين باتجاه اقامة ميناء كبير على الخليج بالقرب من السواحل العراقية يفتح جرحا لم يندمل بعد في مسار العلاقات بين البلدين  التي لم تدخل في طور التعافي الا قبل مدة قصيرة عندما وافقت الكويت على اعادة فتح سفارتها المغلقة في العراق منذ العام 1990 ودفعت حسابات الوضع الامني العراقي المعقدة الى تريثها في ارسال سفيرها الى بغداد الا بعد مدة طويلة رغم المساهمة الكويتية الفاعلة في خلاص العراق من النظام الدكتاتوري السابق وذلك عندما انطلقت
منها الجيوش الحليفة صوب العراق.مهما تكن مبررات اقامة هذا المشروع  فانها لا تعفي الكويتيين من المسؤولية في خنق العراق اقتصاديا عبر اقامة ميناء لا تبدو دولة الكويت بحاجة له اصلا, خصوصا وانها تملك شريطا ساحليا كبيرا ومفتوحا على الخليج واقرب منها الى دول الخليج والمنطقة الى العراق بينما لا يملك العراق سوى شريط ساحلي محدود وضيق اصلا  وبالتالي فانها ليست مضطرة الى اقامة مثل هذا المشروع اصلا في ظل وجود شبكة كبيرة من الموانئ الكويتية المطلة على الخليج التي تمتاز بمساحات واسعة وحركة تجارية تتناسب مع الكثافة السكانية لشعب الكويت بينما يبدو العراق بحاجة الى اقامة ميناء الفاو الذي يمثل بنظره متنفسا تجاريا  وحاجة ماسة لتوسيع نشاطه التجاري في ظل محدودية الموانئ الحالية ومعاناتها من مخلفات الحروب السابقة التي كانت ارض البصرة مسرحا لها خلال العقود السابقة ,اضافة الى عقوبات دولية حرمت العراق ولسنوات طويلة من تمديد مجال علاقاته التجارية مع المحيط الخارجي.
الحاجة الى اقامة ميناء كبير ظل مشروعا قائما بنظر الحكومة العراقية التي اخذت بنظر الاعتبار التمدد الكبير في نشاط الحركة التجارية الواسعة التي يشهدها العراق مع دول العالم والمنطقة ,حيث وضعت الحكومة العراقية حجر الاساس لاقامة هذا المشروع الذي سيزيد من امكانيات البلاد لاستقبال اضخم السفن التجارية في العالم والتي تعجز حاليا عن الوصول الى الموانئ العراقية بسبب محدودية الغاطس فيها.
العراق والكويت ليسا بحاجة الى  ازمة جديدة تسمم اجواء العلاقات التي شهدت هبوب النسمات المنعشة خلال الفترة الماضية ,حيث اتسمت العلاقات بالهدوء والاستقرار رغم ان الكويت ما تزال مصرة على استحصال مبالغ التعويضات الخاصة بها من صندوق الامم المتحدة بموجب قرارات مجلس الامن الدولي رغم الطلبات المتكررة التي تقدم بها المسؤولون العراقيون الى الحكومة الكويتية لالغائها او تحويلها الى استثمارات وهو مطلب لم يستجب اليه الكويتيون حتى هذه اللحظة.
الدوافع الاقتصادية التي تحث العراق على السعي لاكمال مهمة اقامة ميناء الفاو الكبير لا تبدو مثلها موجودة لدى الكويتيين الذين سارعوا الى اقامة ميناء كبير وضخم عند بداية الخليج من جهة الشمال والذي سيعني خنق العراق بحريا, بل والغاء اي دور للموانئ العراقية مستقبلا, حيث سيتحول ميناء مبارك الى نقطة جاذبة للسفن التجارية الضخمة وسيحد من وصولها الى الموانئ العراقية, اضافة الى انه سبيتلع الممر المائي المؤدي الى العراق باكمله ,حيث سيصبح هذا الميناء بمثابة جدار عازل سيقطع الطريق على اية سفن وبواخر قادمة الى العراق.
مثل هذا المشهد المروع لم يكن خافيا على المسؤولين الكويتيين الذين اعطوا الضوء الاخضر لاحدى الشركات الكورية لاقامته دون حساب مخاطره على العراق الذي يجد نفسه في وضع حرج للغاية في مواجهة هذه الازمة التي ستاخذ وقتا طويلا وصعبا قبل ان يتم حصد نتائجها, اضف الى ذلك ان  حجم رد الفعل الكويتي على الطلب العراقي الذي سيدخله في حسابات اخرى وسياخذ وقتا طويلا . ان  ميناء مبارك تحول الى أزمة وان كان المسؤولون في العراق والكويت لا يرغبون في ان لا تاخذ حجما اكبر من حجمها الطبيعي الا ان عدم تراجع الكويتيين عن قرارهم سيجعل الموقف العراقي تجاههم يتغير وربما يدخل العلاقات ما بين البلدين  في ازمة جديدة وامتحان اصعب ,خصوصا ان الطرفين العراقي والكويتي يدركان بان اي توتر في العلاقة  سيعيد عليهما ذكريات الحرب السابقة الموجعة التي ادت الى نتائج مأساوية لم تغادر ذاكرة الشعبين حتى هذه اللحظة. العراق الذي خذلته الجغرافيا عندما فرضت عليه محدودية واضحة في شريطه الساحلي المطل على الخليج عمل على تجاوزها عبر اقامة شبكات نقل برية ضخمة مع جيران العراق من الجهات الحدودية الاخرى وهو يحاول قدر الامكان الاستفادة من هذا الشريط الضيق من خلال اقامة شبكة حديثة ومتطورة من الموانئ تسمح له بتوسيع علاقاته التجارية وتلبية احتياجات السوق المحلية المتزايدة من البضائع التجارية المختلفة ومنفذا لاطلالة جديدة على الخليج تسمح له بلعب دور مؤثر فيه عبر مشاركة واضحة تتناسب مع مكانة العراق في المنطقة وتجاوز سنوات الانكفاء السابقة.. وما بين عدم حاجة الكويت  الملحة لاقامة هذا الميناء الذي ستتضرر منه البصرة بشدة واحتياج العراق الواضح لاقامة ميناء كبير يمثل اطلالته على الخليج تبرز عقدة واضحة وكبيرة ليس من السهل تجاوزها, خصوصا ان الجانب الكويتي كان يدرك منذ البداية حجم مخاطر اقامة هذا الميناء بالقرب من السواحل العراقية الضيقة والمحدودة اصلا. العراق سينتظر المبادرة الكويتية بتعطيل اقامة هذا المشروع والغائه في ظل مناورة محدودة من جانبه لاستخدام اوراق ضغط قوية لا تبدو متوافرة بيديه ,لكن يبقى التعويل على الضغط الدبلوماسي باعتباره الاسلوب المتاح امام العراق كحل وحيد ياخذ بنظر الاعتبار طموحاته الاقتصادية في المنطقة ,خصوصا انه يمثل الان الطرف الاقل نموا في الاقتصاد في منطقة الخليج التي شهدت خلال فترة تسعينيات القرن الماضي طفرات اقتصادية هائلة جعلت من امارة صغيرة بمستوى دبي تصبح اليوم واحدة من اشهر المناطق التجارية في العالم, بل انها سحبت البساط من مدن اخرى تقليدية منافسة مثل هونغ كونغ وسنغافورة.
خطط العراق الطموحة لاقامة مناطق اقتصادية تتناغم مع توقعات بحدوث وفورات مالية ناتجة عن ارتفاع مداخيل النفط تضع بالحسبان امكانية ايجاد منافذ تجارية له ,فضلا عن اقامة مناطق تجارية حرة اسوة بباقي دول المنطقة كان ميناء الفاو احداها وهو المشروع الذي يواجه اليوم احتمال الالغاء والفشل بسبب سياسة تخطيط منافسة من قبل الكويتيين تضع اكثر من علامة تعجب بشان المكان الذي تم اختياره لاقامة هذا المشروع على الرغم من وجود اماكن اخرى بديلة.
المنطقة التي تعاني من فترة حرجة من تاريخها في ظل حركة تغييرات متسارعة تشهد تبدلا كبيرا في الكثير من تفرعاتها السياسية وبداية لمرحلة جديدة في تاريخها، وهو امر لا يمكن اهماله او التغاضي عنه وهو سيكون له تاثيره على جميع دول المنطقة التي تبدو بحاجة اليوم الى استقرار سياسي فيها بعيدا عن ثقافات الحروب وتصعيد الازمات.. طاولات الحوار تبدو الخيار الاقرب
لايجاد حل لهذه الازمة وتبديد سحب الازمات التي اخذت تتجمع منذ الشروع باقامة ميناء مبارك بالقرب من رأس الساحل الشمالي للخليج.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*