من يفك الاشتباك بين الضحية والجلاد / بقلم : كريم عبد

لقد اقترن العنف ورغبات الانتقام بتاريخ البشر منذ قابيل وهابيل، فلا يوجد شعب في أية بقعة على الأرض إلا وتجد في تاريخه طعنات وجروحاً وحروباً داخلية وأخرى خارجية ما طبع التاريخ الإنساني بطابع مأساوي ينطوي على العديد من الاشكاليات وخصوصاً إشكالية العلاقة بين الضحية والجلاد.
لقد تركت الحروب في عصر الاستعمار الغربي خلال القرون القليلة الماضية، آثاراً مأساوية ظلّت دوماً تبحث عن
حلول فكرية واجتماعية، ومن هنا
جاءت الحاجة إلى التسامح كبداية
للحل، بل كبديل ثقافي بعد أن تأكد
بأن ثقافة العداوات والحروب لا تؤدي
إلى حلول بل لمزيد من العنف والتعقيد، وفعلاً وقع ذلك إذ لا يمكن أن يبدأ الحل
بين أطرف متنازعة ما لم تسد حالة التسامح أولاً. لكن التسامح، في الحروب أو العلاقات الشخصية، لا يحدث دائماً بنفس السهولة التي حدث فيها هنا أو هناك، وربما اقترنت دعوات التسامح أحياناً بالسذاجة أو المجانية، أو أحياناً بالخديعة  ومحاولة كسب الوقت قبيل تجدد العداوة أو الحرب!!
وإذا تأملنا بعض التجارب القريبة أو البعيدة، نجد أن فكرة التسامح ليست سهلة دائماً، فهي فكرة القوة الروحية المناقضة للعنف، لكن الأكثر شجاعة في نفس الوقت، وهي لذلك نزعة تحضر من حيث انتماؤها الى الترفع والسمو، ويعزز ذلك ويؤكده هو إن العنف ظاهرة مبتذلة، فهو سهل، بمعنى إن بإمكان  أي إنسان أن يكون عنيفاً، أو مساهماً بإشاعة العنف ليقلق ويهدد حياة الآخرين، لكنَّ فعلاً كهذا لا يدل على القوة أو الشجاعة، بل بالعكس لأن الرغبة بالاعتداء على الآخرين تدل على الخوف المرضي منهم، أي إنها تدل على الضعف، وما أن يبدأ الضعيف بتحويل ضعفه الى عنف يهدد به الآخرين حتى يعني ذلك بأنه مهزوم أمام ضعفه هو بالذات، أي أمام عشوائية الصور المشوَّهة التي خضع لها وعيه، صور أفكاره أو تصوراته المرعوبة من حقائق الحياة ومن حقوق الآخرين.
وإذا كان الأنبياء والمصلحون محدودي العدد مقابل مليارات البشر، فإن
هذه الظاهرة ذات دلالة هنا، الإشارة إلى قلتهم لا تنطوي على ازدراء لأكثرية الناس أو التقليل من قيمتهم، بل من أجل تسليط الضوء على مفاهيم خاطئة حول (القوة) و (الضعف) ظل الوعي العام ضحية لها عبر العصور، ففكرة التسامح لا تحتاج للدفاع عن نفسها.
ولنلاحظ أن الأنبياء كانوا عزّلاً أيضاً، لكن ثقافتهم السلمية كانت تتحقق
وتؤثر على مزيد من الناس رغم كل المعوقات. وإذا أُريد لها أن تتوارى أو تتهمش فهي لا تملك أن تفعل ذلك، لذا فهي في حالة الإعاقة تشفُّ وتتكاثف لتتحول الى ثقافة أعماق، أقصد ثقافة صوفية أو روحانية كما نجدها عند الرواد الكبار الذين اقترن التصوف عندهم بالعطاء الفكري والإبداعي، فكرة التسامح إذن لا تحتاج من يدافع عنها بل لمن يعود إليها، أو يُنضّج الظروف لجعلها ممكنة، فهي من تشكيلات الضرورة التي تُجدّد الحياة الإنسانية باستمرار.
إن الشخصية العزلاء القوية المتصالحة مع ذاتـها ومع العالم رغم جوانبه العدوانية، ظلّت موجودة ومتطلّبة دائماً في كل صراع وداخل كل مجتمع، وليس اعتباطاً أن تبدو فكرة التسامح أحياناً وكأنـها فضيحة لأطراف الصراع المهجوسة بالعداوة والحذر من الآخر، إنها فضيحة لطبيعة الصراع ذاته بما ينطوي عليه من عدوانية وهمجية، وهم حين يعودون إلى فكرة التسامح، كما يحدث عادة، فإن ذلك بمثابة اعتراف بعجزهم وبعدم جدوى ثقافتهم الحربية دائماً.
ولكلِّ هذا فإن فكرة التسامح تشبه الشِعرَ لناحية انتمائها للمضارع المتجدد، لكنها تمتاز عليه في كونها واقعية، أي بكون غايتها ممكنة التحقق في السلوك الإنساني عند الجماعات المتحاربة، وفي كل شيء قابل للتجدد والصفاء، فالمفاهيم التي تتأسس عليها ثقافة الشخصية العزلاء المترفعة، المُسالمة، تنحو بنا إلى كشف مكامن ونوازع الذات الجماعية، كشف الضعف والتناقض الإنسانيين، لا لكي يُهزم الإنسان أمامهما، بل لكي يراهما ويتفهم بواعثهما كحالة إنسانية يمكن تجاوزها، وذلك بالوقوف بحرية أمام حقيقة الطبيعة الإنسانية ذاتـها، أي إقرار حاجة الإنسان والمجتمع إلى قيم وقوانين تضبط نوازع الضعف والتناقض فيه.
إن الحديث عن التسامح لا يعني بأي شكل التصالح بين الضحية والجلاد كي يحتفظ ويستمر كلٌّ منهما في موقعه إلى الأبد، أو أن يتنازل الأول للثاني عن حقوقه ويقرّ بهزيمته!! هذه خدعة سرعان ما تنكشف فيتجدد الصراع وقد يحدث أن يتبادل الطرفان موقعهما فيُصبح الضحية جلاداً والجلاد ضحية!! إن جملة هذه الالتباسات هي التي تقودنا إلى السؤال الضروري حول متى وكيف يمكن للتسامح أن يحدث؟!
إن شيوع العنف في بلد معين يدل على التخلف الأخلاقي، كما يدل على ضعف سلطة القانون، وسلطة القانون تُصبح قوية ونافذة متى ما آمن بها عموم المواطنين، أي متى ما كانت الدولة، خصوصاً القضاء، جهة محيدة بين أطراف الصراع.
ليس بوسع الجلاد أن يتخلص من
صفته العويصة هذه، وليس بوسع الضحية أن تنجو من تعقيدات ورواسب الحالة
التي فُرضت عليها، لذلك تحتاج المجتمعات المتورطة بظاهرة العنف وأفعال
ورغبات الانتقام المتبادلة، إلى فترات
ليست قصيرة للوصول إلى حالة التكافؤ الأخلاقي التي تسمح بإمكانية حدوث التسامح، فهي لا بد أن تدفع ضريبة التخلف الاخلاقي رعباً وخسائرَ للأطراف المختلفة.
وهذا ما يفسر عدم جدوى مفهوم (توازن القوى) لحلول المصالحة بصيغتها الدائمة، لأن هذا التوازن بدون التكافؤ الأخلاقي، سيختل ثانية ليعود العنف من جديد، وهذا أيضاً يفسر ركاكة مفهومي (الهزيمة) و(الانتصار) التقليديين السائدين عبر تاريخ الإنسانية.
ورغم إن المسألة هنا ليست بالسهولة التي تجعلنا نفكر بوصفات أو إجابات جاهزة، لكن البداية العملية تكمن في وصول الأطراف المتعادية إلى الشعور بالحاجة لإعادة الاعتبار للمفاهيم الأخلاقية والحقوقية بمعانيها الإنسانية والرسمية الممكنة، لا بتكريس حرفة الأكاذيب المتبادلة والمراوغات السياسية المعروفة.
لقد تعرّضت الأفكار الأخلاقية والحقوقية للتضليل والتشويه عبر العصور المختلفة، لكنّها ظلّت تدافع عن معناها وعن جدواها بصفتها ثقافة حيّة لها رموزها الإنسانية الكبيرة والمؤثرة عبر التاريخ، وباعتبارها ضرورة لا يمكن للدراما الإنسانية أن تتحرك بعيداً عنها، ولم يكن بوسع الزمن أن يدحضها، لذلك فان رموزها الأكثر عمقاً وتأثيراً وفي مختلف المنعطفات، لم يكونوا مجرد ضحايا تعوزهم الحنكة أو الواقعية السياسية، بل كانوا أمثولة تاريخية مثقلة بقيم إنسانية لا مرد لها، ولا مجال للمساومة عليها.
ومن هنا توجّبت عليهم التضحية، وبـهذا انتصروا للحقيقة كي لا تفقد الحياة معناها وتتحول إلى مجرد نزاع غريزي على المنافع.
ومن هنا نشأت استثنائية شخصياتهم وثقافتهم، حيث انتصرت على ثقافة العنف والابتذال، وعلى هذا الأساس تُمكن قراءة سيرة علي بن أبي طالب كمثال وفهم طبيعة الأحداث الدراماتيكية التي ميّزت تجربته بموازاة شخصيته المُحيّرة حيث اجتمعت فيها صفات روحية وأخلاقية ومعرفية نادراً ما اجتمعت عند أي قائد في التاريخ الإنساني.
وهذا ما يفسر استعداد شخصيات من هذا النوع، لتقبل الأبعاد المثيولوجية التي اضفاها الجمهور على سِيرها لاحقاً، فهي شخصيات تنطوي على الفكرتين الأخلاقية والروحية معاً، حيث غالباً ما يكون ثمن الدفاع عنهما باهظاً، إذ يحدث أن تنتهي بمأساة تترك جروحاً وآلاما في الوجدان الجمعي حيث غالباً يضفي الناس على تلك الشخصيات هالة أسطورية.
وخلاصة القول، إن الحقيقة لا تنتصر على المبتذلين أو المزيفين دائماً،
لأن قيمتها ومعنى وجودها لا يكمن هنا،
أي لا يكمن في الانتصار على هذا الشخص
أو ذاك، بل هي تنتصر على الزيف ذاته كظاهرة أو كثقافة، تنتصر الحقيقة على الزيف من حيث كون وجودها بذاته يشير ويفضح الطبيعة المنكفئة للكذب والغدر والابتذال وكل ما هو مشين في سلوك البشر.
والحقيقة إن بدت أحياناً وكأنـها لا تصارع الابتذال، فليس لأنها أضعف منه، بل لا بد لها من الترفع كي لا تخوض في نفس أوحال المبتذلين، وهنا يكمن معنى (المثالية) التي تبدو غير مجدية للكثيرين، في حين لا يمكن فهم التاريخ الإنساني وتاريخ الأفكار بدونـها، هذا بالإضافة إلى كون الزيف بحد ذاته هو دليل هزيمة وفضيحة لحامليه، وهو موجود ليدل على طبيعة المبتذلين، وعلى كونه نقيض جـمال العدالة، حيث هنا يكمن الفرق بين الطغاة والتقاة في التاريخ .
ومن هنا كانت للحقيقة سطوتـها على معنى
الحياة وتاريخ الشعوب. وبسبب من قوة جمال الحقيقة الذي هو جمال العدالة ذاته، لم يكن بوسع أحد أن يزيف معنى القيم والمثل الإنسانية التي لا بدَّ منها في الحياة وفي الثقافة وفي كلِّ شيء.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

قرآن الكريم بصوت مشاري العفاسي

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*