من يصنع ظاهرة الطائفية ( يعقوب يوسف جبر

تعد الطائفية كظاهرة من مبتكرات المجتمع وتقاليده فقد تظهر كنموذج ديني أو مذهبي أو عرقي أو مناطقي  لكنها قد تظهر كنموذج سياسي خطير يعمل على صناعته بعض السياسيين للاستحواذ على السلطة ، أو قد تظهر كنموذج يعمل على نشر ثقافته المحتلون للبلدان ، هكذا تبدو الطائفية السياسية التي تتناقض مع جوهر الدولة العادلة المدنية الحديثة وتتناقض مع مبدأ التعدد السياسي والرأي العام المتنافس والمتعدد والحريات العامة وخاصة حرية التعبير عن الرأي وحقوق الإنسان   في عهد الدولة العثمانية كان الحلم العربي يتلخص في الخلاص من نير السلطة الطائفية فكان السبيل الوحيد للدولة العثمانية للمحافظة على مستعمراتها تحت الطربوش العثماني الأحمر هو إثارة النعرات الطائفية في كل مكان ، أما الاحتلال البريطاني خلال القرن الماضي فقد عمل على تغذية الطائفية السياسية المتوارثة من العثمانيين لتحقيق أهدافه في السيطرة على البلاد والتحكم بسيادتها وبالطريقة نفسها عمل المحتلون للعراق عام 2003 على إثارة النزعة الطائفية وإشاعة ثقافتها لفرض هيمنتهم وإضعاف البلاد وتجريدها من سيادتها .
الطائفية كظاهرة سياسية تنشأ وتترعرع  وتنمو بعض الأحيان استجابة لطموحات السياسيين الذين يعتلون عرش الدولة والسلطة ، أما نشوؤها بموجب أسباب اجتماعية وبروزها كنموذج اجتماعي فهي لا تشكل خطرا لأنها بناء اجتماعي طبيعي ، لكنها عندما تتحول إلى أداة سياسية فإنها تشكل خطرا كبيرا ليس فقط على الدولة ومؤسساتها بل يمتد الخطر إلى البناء الاجتماعي ، ففي بعض البلدان المبتلاة بالطائفية السياسية نجد الطائفية سببا لنشوب الحروب الأهلية وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي أيضا ، وهذا ما  نلمسه في بعض البلدان الأفريقية ، أما في العراق وكذلك سوريا والبحرين ولبنان فإن الطائفية السياسية تشكل محور اندلاع النزاعات والاحتراب الطائفي المدعوم من قبل قوى خارجية إضافة إلى مباركة بعض السياسيين المحليين لها وهؤلاء جزء لا يتجزأ من المخطط الخارجي ممن تقاضوا أجورهم سلفا للعبث بمقدرات البلاد وعرقلة بنائها المدني .
تتبدى الطائفية بصور وأشكال شتى فمرة تظهر بصورة رأي عام محتج على سياسات الدولة تحت ذريعة الدفاع عن حقوق الإنسان ، ومرة يرتدي عرابوها  زي الديمقراطية مطالبين بإنصاف المواطنين واحترام حقوقهم ، فهي وفق هذا النموذج مجرد شماعة يعلق عليها الوصوليون السياسيون مبرراتهم .
المستغرب إن الطائفية اليوم في العراق تستمد قوتها ليس فقط من الرأي العام بل من سلطة بعض السياسيين ممن يعملون على تغذيتها ويحرصون على تنميتها وفي الوقت نفسه ينددون بها ويحتجون عليها مطالبين باقتلاع جذورها ، إنها مهزلة ومفارقة مضحكة حافلة بالتناقض ، أليس من العار على بعض السياسيين مباركة الطائفية والاحتفاء بها لتحقيق مآربهم لكنهم في الوقت نفسه يتظاهرون بأنهم ضدها ؟
لا يمكن بموجب الطائفية تنمية الدولة وتحقيق ازدهارها بل بموجب معاييرها تظهر ظواهر شاذة منها العنف الطائفي والتعصب الطائفي والحرب الطائفية والثقافة الطائفية والسلطة والدولة الطائفية والأحزاب الطائفية ويمتد الأمر ليشمل جوهر العقد الاجتماعي ( الدستور ) ليكون ذا طابع طائفي بغيض .
أين محل الديمقراطية كنموذج سياسي وآلية سياسية حديثة ومتطورة من الطائفية ؟ لا يمكن الجمع بين المتناقضين بسبب الهوة الفاصلة بينهما ، فالديمقراطية كنموذج للسلطة والدولة تعني الرقي بالدولة والمواطن وتحقيق أسمى درجة من الرفاهية والعدالة الاجتماعية والسياسية ، بينما الطائفية تعني تمزيق النسيج الاجتماعي والسياسي والقضاء على طموحات المواطنين في التطور والتقدم في المجالات كافة.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

 

مقالات سياسية عراقية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*