من أين لنا هذا الذي بين أيدينا؟ ( ساطع راجي

نكاد نقترب في العراق من الوصول الى مرحلة الاعتراف الرسمي بأن الفساد وباء منفلت لا يمكن ملاحقته ولا التصدي له ولا منع استمراره وتوسعه، لقد استنزفنا الحلول التقليدية، اذ لم يتمكن البرلمان ككل ولجنته المختصة بالنزاهة من فعل شيء مهم وبالمثل فشلت بقية المؤسسات الرقابية والقضائية في اداء هذه المهمة المستعصية وصارت آلاته الجهنمية، بعدما اصبح الفساد جزءا أصيلا في الحياة العراقية، حتى ان من يشتم الفساد او ينتقده او يدعو الى محاربته عليه اليوم أن يسأل نفسه، فيما اذا كان متورطا في هذا الفساد أو مستفيدا منه سواء بارادته ومعرفته أم بدونهما، اذ لا يمكن لهذا الوباء ان يستشري دون تقبل عام للاصابة به ونقل عدواه ومن ثم التعايش معه والاعتياد عليه وربما الدعوة إليه لتبدو الموجة الراهنة من انتقاد الفساد المتزامنة مع الازمة الاقتصادية وكأنها بحث المفلس في دفاتره القديمة عسى ان يتمكن من استعادة بعض المال المنسي وليست حرصا اخلاقيا ولا استشعارا بالمسؤولية.
مع هذا المستوى من استشراء الفساد تبدو المطالبة بترسيخ تساؤل (من أين لك هذا؟) منطقية جدا بل وحتمية لكنها تكاد تقترب من الاستحالة في التنفيذ، لنكاشف أنفسنا أولا بالفضيحة الكبرى التي تقول ان المجتمع لا يرفض الفاسدين ولا يمقتهم بل يتم توقيرهم واحترامهم والتعامل معهم بحسب مايملكون من مال أو سلطة بأي طريقة حصلوا عليه وان بعضا من نقد الفساد يأتي من باب الحسد والشعور بالغبن في استحصال فرصة الفساد لا رفض الفساد نفسه، وغالبا ما يتسابق الفاسدون في تبادل الاتهامات بالفساد، إذ يحاول كل طرف التغطية على فضيحته بفضيحة الطرف الآخر، أو التقليل من قيمة سرقاته مقابل تضخيم سرقات خصمه.
مع هذا الشيوع يكون من الصعب بناء مؤسسة تنفذ شعار (من أين لك هذا؟) فهذه المؤسسة سيتم أولا تقاسمها بين قوى الحكم المتورطة اصلا بالفساد ويكون بناء هذه المؤسسة بنفس أدوات وعقلية بناء المؤسسات الرقابية الأخرى التي فشلت في مواجهة الفساد وسيأتي الموظفون الى هذه المؤسسة وهم محملون بالرغبة في تحقيق أكبر قدر من المنفعة بشتى الاساليب حتى لو وصل الأمر الى الابتزاز تحت تأثير ضغط اجتماعي غير معلن بضرورة الاثراء السريع ومع تقدير المجتمع لشخصيات موغلة في الفساد واللصوصية.
بعض المفردات الدينيـــــــــة والعشائرية والحزبية ترفض الفساد قولا لكنها تصمت عنه فعلا وربما تسهل له وتدافع عنه وتتبنى حماية المتورطين به لتنقلب الموازين وتتحول الكيانات الحارسة للفضيلة والاخلاق والاعراف الى قوى حارسة للفساد ومشجعة عليه.
وجود نشطاء ومنظمات وشعارات لمكافحة الفساد ليس كافيا مع هيمنة الفساد وتحوله الى خطر قاتل لأنه صار يهدد الامن والاستقرار المجتمعي ويمول الارهاب والنزاع الطائفي والعرقي ويضع المجتمع على حافة الاقتتال، نحن أمام استعصاء يدعو قبل ملاحقة الفساد الى اجراء مراجعة شاملة للابواب والنوافذ والثغرات التي تسمح بالاعتداء على المال العام، حتى لو كان بعضها تحت غطاء القانون ومن أجل قضايا نبيلة ومقدسة وعبر اشخاص محترمين ومؤسسات عريقة، اذ كثيرا ما تستخدم كل هذه الخلطة في السرقات الكبرى المنتظمة والمستمرة بإيقاع ثابت لا يجرؤ أحد على ايقافه.
لنتوقف أولا لمراجعة القضايا النبيلة التي تستغل الفساد على أمل أن تتحقق صدمة مجتمعية تقود الى تسهيل المحاسبة وتأسيس منهج تعقب الفاسدين ايا كانت أسماؤهم وعناوينهم، هكذا سنتجاوز العصبيات الطائفية والعرقية والقبلية والحزبية التي تبيح اليوم للفاسد أن يتبجح بالافلات من الملاحقة وبوجوده فوق القانون والاخلاق، لكن قبل شتم الفساد والفاسدين لنسأل أنفسنا باستمرار كم نحن متورطون بالفساد مهما صغر؟!، لنتساءل بصمت من أين لنا هذا الذي بين أيدينا؟.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*