مفهوم أولي الأمر وجدلية المصداق..ح1 ( صفاء سامي الخاقاني

في ذكرى ولادة الامام الثاني عشر محمد المهدي “عليه السلام” أحببت طرح هذا البحث الذي يتضمن نقاشا مختصرا حول معنى أولي الامر وانطباقه وهو بحث في حلقتين، هذه الأولى. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }النساء59 إن استحكام أساس المجتمع الاسلامي يقوم فيما إذا أخذ المجتمع بالائتلاف والاتفاق ورفع كل تنازع واقع من خلال رده الى الله تعالى ورسوله “صلى الله عليه وآله وسلم” لذا تلاحظ أسلوب التحضيض والترغيب في أخذ المسلمين طريق التآلف والاتفاق واضح في القرآن الكريم. فقد أمر القرآن الكريم بإطاعة الله تعالى ورسوله سواء بخصوص رد الأمر الى الله ورسوله في حال ظهور التنازع بين المسلمين أو الطاعة على أساس امتثال جميع الشرائع والاحكام الالهية. وهنا ينبغي منا العلم، أن الله سبحانه لا يريد بإطاعته إلا إطاعته في ما يوحيه إلينا عن طريق رسوله من المعارف و الشرائع، وأما بخصوص طاعة رسوله “صلى الله عليه وآله وسلم” فلها جانبان:- الجانب الأول: جانب التشريع بما يوحيه إليه ربه سبحانه من غير كتاب، وهو ما يبينه للناس من تفاصيل ما يشتمل على إجماله الكتاب وما يتعلق ويرتبط بها كما قال الله تعالى: {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }النحل44. الجانب الثاني: ما يراه من صواب الرأي فيما يرتبط بولايته من الحكومة والقضاء، قال الله تعالى: {.. لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ .. }النساء105، وهذا هو الرأي الذي كان يحكم به على ظواهر قوانين القضاء بين الناس، وهو الذي كان “صلى الله عليه وآله وسلم” يحكم به في عزائم الأمور، و كان الله سبحانه أمره في اتخاذ الرأي بالمشاورة فقال: {.. وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ }آل عمران159، فأشركهم به في المشاورة ووحّده في العزم. والنتيجة، أن لإطاعة الرسول معنى ولإطاعة الله سبحانه معنى آخر وإن كان إطاعة الرسول إطاعة لله بالحقيقة لأن الله هو المشرع لوجوب إطاعته كما قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ .. }النساء64 ولكن المعنى: على الناس أن يطيعوا الرسول فيما يبينه بالوحي، وفيما يراه من الرأي، وهذا المعنى هو ما أوجب تكرار الأمر بالطاعة في قوله “أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ” ، وليس التكرار للتأكيد وإلا لكان قول: وأطيعوا الله والرسول أدل على التأكيد ولأفاد أن إطاعة الرسول عين إطاعة الله سبحانه وأن الإطاعتين واحدة، ولكن ليس كل تكرار يفيد التأكيد. و أما بخصوص أولي الأمر فالآية تدل على افتراض طاعة أولي الأمر، و لم تقيده بقيد ولا شرط، ولو كان هناك قيد لأوضحه الله تعالى لأنه سبحانه أبان ما هو أوضح من هذا القيد فيما هو دون هذه الطاعة المفترضة كقوله في الوالدين: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ..}العنكبوت8 ، فلماذا لم يظهر شيئا من هذه القيود في آية تشتمل على أس أساس الدين، و إليها تنتهي عامة أعراق السعادة الإنسانية؟! فللرسول وأولي الامر طاعة واحدة حيث قال تعالى: “وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ” ، ولا يجوز على الرسول أن يأمر بمعصية أو يغلط في حكم فلو جاز شيء من ذلك على أولي الأمر لذكر الله تعالى ذلك القيد الوارد عليهم وبالتالي لا مناص من أخذ الآية مطلقة من غير أي تقييد، ولازمه اعتبار العصمة في جانب أولي الأمر كما أعتبر في جانب رسول الله “صلى الله عليه وآله وسلم” من غير فرق. والآن نأتي الى معنى الأمر في “أولي الأمر” وهو الشأن الراجع إلى دين المؤمنين المخاطبين بهذا الخطاب أو دنياهم وما يؤيد هذا المعنى قوله تعالى: {.. وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ .. } آل عمران159 ، و قوله في مدح المتقين: {.. وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ..}الشورى38 . ومن يقول إن أولي الأمر ليسوا معصومين بحجة لفظ “منكم” الوارد في الآية، وهذا يدل على أن الواحد منهم إنسان عادي مثلنا وهم منا ونحن مؤمنون من غير مزية عصمة إلهية. هذا الرأي مدفوع وغير صحيح والمعنى الصحيح أن أولي الأمر كائنين منكم وهو نظير قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ .. }الجمعة2، وقوله تعالى في دعوة إبراهيم: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ .. }البقرة129 ، وقوله: {.. رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ..}الأعراف35 ، فهل إن الرسول والرسل هنا غير معصومين بوجود لفظ منهم وفيهم ومنكم؟! وهناك ملاحظة ينبغي الالتفات اليها وهي أن أولي الامر إسم جمعِ يدل على كثرة جمعية في هؤلاء المسمين ويحتمل في بادئ النظر أن يكونوا آحادا يلي الأمر ويتلبس بافتراض الطاعة واحد منهم بعد الواحد فينسب افتراض الطاعة إلى جميعهم بحسب اللفظ، والأخذ بجامع المعنى، كقولنا: صل فرائضك وأطع سادتك و كبراء قومك. وليس من الصواب ادعاء البعض أن هذا المعنى يوجب حمل الجمع على المفرد، لأنه خلاف الظاهر، كما وأن القرآن مليء بهذا الاستعمال كقوله تعالى: {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ }القلم8 ، وقوله: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ .. }الفرقان52 ، وقوله: {.. إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا ..}الأحزاب67 ، وقوله: {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ }الشعراء151 ، وقوله: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ .. }البقرة238 ، وقوله: {.. وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ }الحجر88 ، إلى غير ذلك من الموارد المختلفة بالإثبات و النفي، و الإخبار و الإنشاء، والمعنى الصحيح كقولنا: أكرم علماء بلدك أي أكرم هذا العالم، و أكرم ذاك العالم، وهكذا. البعض ذهب الى أن أولي الامر هم أهل الحل والعقد، ولكن ما هو العامل الموجب لعصمة أهل الحل والعقد من المسلمين فيما يرونه من الرأي؟ كما أن مَن شأنه الحل والعقد في الأمور موجود في كل أمة من الأمم العظام بل الأمم الصغيرة بل حتى القبائل والعشائر لا تفقد عدة من أفرادها لهم مكانة في مجتمعهم ذات قوة وتأثير في الأمور العامة، فأهل الحل والعقد لا يختصون بالأمة المسلمة فهل يعقل ان القرآن الكريم يقول بعصمة حتى غير المسلمين من أهل الحل والعقد؟! فرأي أولي الامر في الإسلام مصون عن الخطأ بعامل ليس من سنخ العوامل العادية بل عامل من سنخ العوامل المعجزة الخارقة للعادة، وهذه كرامة باهرة تختص بها هذه الأمة تقيم صلبهم، و تحفظ حماهم وتقيهم من كل شر يدب في جماعتهم ووحدتهم، سبب معجز إلهي يتلو القرآن الكريم ويعيش ما عاش القرآن، نسبته إلى حياة الأمة العملية نسبة القرآن إلى حياتهم العلمية فكان من اللازم أن يبين القرآن حدوده وسعة دائرته، ويمتن الله به كما أمتن بالقرآن وبمحمد “صلى الله عليه وآله وسلم”، ويبين لأولي الأمر وظيفتهم الاجتماعية كما بين لنبيه ذلك، وأن يوصي به النبي “صلى الله عليه وآله وسلم” أمته، ولا سيما أصحابه الكرام وأن يبين حقيقة وحد وسعة دائرة عمل أولي الأمر. فمن اللازم أن يهتم بذلك المسلمون ولا سيما الصحابة فيسألوا عن معنى أولي الامر ويبحثوا فيه، وقد سألوا عن أشياء لا قدر لها بالنسبة إلى هذه المهمة كالأهلة، وما ذا ينفقون، والأنفال قال تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ .. }البقرة189 و {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ .. }البقرة215 و {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ .. }الأنفال1 ، فما بالهم لم يسألوا عن أولي الأمر؟ أو أنهم سألوا ثم لعبت به الأيدي فخفي علينا؟ ولكان من الواجب أن يحتج به في الاختلافات و الفتن الواقعة بعد ارتحال النبي “صلى الله عليه وآله وسلم” حينا بعد حين، فما لهذه الحقيقة لا توجد لها عين ولا أثر في احتجاجاتهم ومناظراتهم، وقد ضبطها النقلة بكلماتها وحروفها، ولا توجد في خطاب ولا كتاب؟ ولم تظهر بين قدماء المفسرين من الصحابة والتابعين ؟! ولمن يفسر أولي الأمر بمعنى أهل الحل والعقد أقول له: كم من منتدى إسلامي بعد رحيل النبي “صلى الله عليه وآله وسلم” اجتمع فيه أهل الحل والعقد من المسلمين على ما اجتمعوا عليه ثم سلكوا طريقا يهديهم إليه رأيهم فلم يزيدوا إلا ضلالا ولم يزد إسعادهم المسلمين إلا شقاء ولم يمكث الاجتماع الديني بعد النبي “صلى الله عليه وآله وسلم” دون أن عاد إلى إمبراطورية ظالمة حاطمة؟! فليبحث الباحث الناقد في الفتن الناشئة منذ قبض رسول الله “صلى الله عليه وآله وسلم” وما استتبعته من دماء مسفوكة، وأعراض مهتوكة، وأموال منهوبة، وأحكام عطلت وحدود أبطلت ثم ليبحث في منشئها، وأصولها وأعراقها هل تنتهي الأسباب العاملة فيها إلا إلى ما رأته أهل الحل والعقد من الأمة ثم حملوا ما رأوه على أكتاف الناس؟ فهل يعقل أن المراد بأولي الأمر أهل الحل والعقد ؟! على هذا المعنى يكون حال المسلمين كحال سائر المجتمعات الفاضلة المدنية فيها جمعية منتخبة تحكم على قوانين المجتمع على حسب ما تراه وتشاهده من مقتضيات الأحوال، وموجبات الأوضاع، وهذا رأي من يرى أن الدين سنة إجتماعية سبكت في قالب الدين، وظهرت في صورته فهو محكوم بما يحكم على متون الاجتماعات البشرية وهياكلها بالتطور في أطوار الكمال التدريجي، ومثال عال لا ينطبق إلا على حياة الإنسان الذي كان يعيش في عصر النبوة وما يقاربه، فهي حلقة متقضية من حلق هذه السلسلة المسماة بالمجتمع الإنساني لا ينبغي أن يبحث عنها اليوم إلا كما يبحث علماء طبقات الأرض (الجيولوجيا) عن السلع المستخرجة من تحت أطباق الأرض. ومن العجيب من يقول إن فرض طاعة أولي الأمر لا يدل على فضل ومزية لهم على غيرهم أصلا فطاعة أولي الأمر كما هي طاعة الجبابرة والظلام واجبة علينا في حال الاضطرار اتقاء من شرهم، ولن يكونوا بذلك أفضل منا عند الله سبحانه، من يقول بهذا القول فقد غفل عن أن القرآن مملوء بالنهي عن طاعة الظالمين والمسرفين والكافرين، ومن المحال أن يأمر الله تعالى مع ذلك بطاعتهم ثم يزيد على ذلك فيقرن طاعتهم بطاعة نفسه ورسوله، ولو فرض كون هذه الطاعة طاعة تقية لعبر عنها بإذن ونحو ذلك كما قال تعالى: {..إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً ..}آل عمران28، لا بالأمر بطاعتهم صريحا حتى يستلزم كل محذور شنيع. وكذلك الاعجب من يقول إن الحكم المذكور في الآية لا يزيد على سائر الأحكام التي تتوقف فعليتها على تحقق موضوعاتها نظير وجوب الإنفاق على الفقير وحرمة إعانة الظالم فلا يجب علينا أن نوجد فقيرا حتى ننفق عليه أو ظالما حتى لا نعينه. وهذا مردود ايضا لأنه محال أن يأمر الله تعالى بطاعة من لا مصداق له، أو له مصداق اتفاقي في آية تتضمن أس أساس المصالح الدينية وحكما لا يستقيم بدونه حال المجتمع الإسلامي أصلا، وقد ثبت أن الحاجة إلى أولي الأمر عين الحاجة إلى الرسول وهي الحاجة إلى ولاية أمر الأمة. والنتيجة أنه لا معنى لحمل قوله تعالى: «و أولي الأمر منكم» على جماعة المجمعين من أهل الحل والعقد، وهي الهيئة الاجتماعية بأي معنى من المعاني وإنما المراد بأولي الأمر آحاد من الأمة معصومون في أقوالهم مفترضة طاعتهم فتحتاج معرفتهم إلى تنصيص من جانب الله سبحانه من كلامه أو بلسان نبيه فينطبق على ما روي من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أنهم هم. وسأكمل في الحلقة الثانية إن شاء الله بقية الكلام.

حجز الفنادق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*