مع حـرمة القوانين … ولكن / بقلم : ياسين العطواني

في عالم اليوم المتحول بات مقياس التطورالحضاري والمدني للشعوب والأمم يُحدد من خلال مدى تقدم وتحضر منظومة القوانين التي تحكم تلك الأمم، وبمدى تطبيق والتزام المواطن بهذه القوانين ، بل ان بعض البلدان المتقدمة قد تجاوزت مرحلة القوانين المكتوبة عندما تحولت هذه القوانين الى منظومة قيم وأعراف مجتمعية راسخة، اذ لم تدعُ الحاجة بعد الى تذكير المواطن بما هو مُدون من لوائح قانونية موضوعة على الرف او في أدراج المكاتب . أردنا من هذا الاستهلال التذكير بالفوضى والتخبط  والارباك الذي يسود مؤسسات ودوائر الدولة اليوم  من جراء عدم وضوح الرؤية من قبل بعض هذه المؤسسات والدوائر للعديد من القوانين التي تنظم عمل هذه الدوائر ، وجهل وتجاهل البعض الآخر للكيفية التي يتم فيها تطبيق تلك القوانين ، وهذا الأمر بدوره انعكس سلبا على المواطن من خلال تعامله مع هذه الدوائر، وهنا أورد حادثة لمواطنة بسيطة تعكس مدى حالة الانقطاع والتباعد بين دوائر الدولة والمواطن ، فهذه المرأة لديها راتبان للتقاعد أحدهما لزوجها الموظف المتوفى والثاني لابنها الذي قتل في حروب النظام السابق، وقد استمرت هذ المواطنة استلام استحقاقاتها التقاعدية دون مشاكل الى ان تم اصدار او تفعيل قانون عدم جواز الجمع بين راتبين ، وبعد اصدار البطاقة الذكية وظهور أسماء الأشخاص الذين يتقاضون أكثر من راتب ، تم قطع أحد الراتبين تلقائيا من قبل مديرية التقاعد ، وتم ابلاغ هذه المواطنة بالأمر من قبل المصرف الذي تستلم منه راتبها التقاعدي، وعلى الرغم من حاجتها الماسة لذلك، و ان ما تحصل عليه كان استحقاقا شرعيا  وقانونيا إلا انها خضعت للأمر الواقع، فهي ام لعائلة كبيرة ولديها اثنان من الأبناء العاطلين عن العمل، ويعد الراتب التقاعدي هو المعيل الوحيد الذي يعيل هذه العائلة، ولكن الأدهى من ذلك وعند مراجعة هذه المرأة لمديرية التقاعد أخبروها بطلب مترتب عليها مقداره سبعة ملايين ونصف المليون دينار كغرامة من جراء عدم اخبارهم بتقاضيها لراتبين ، وخيروها بين دفع المبلغ دفعة واحدة أو استقطاعه من الراتب الثاني ، عندها لم تتمالك هذه المرأة المسكينة نفسها وانهارت أمام الجميع بفعل هذه الصدمة العنيفة.
وهنا يثار أكثر من سؤال ، ماذنب هذه المواطنة في كل ماحصل، وهل الإجراء الذي  قامت بها مديرية التقاعد العامة قد أخذ بنظر الاعتبار الظروف المعيشية والنفسية التي تمر به هذه الشريحة قبل وصول الأمر  الى مرحلة فرض الغرامات، خصوصا ان هذه الحالة ليست فردية بل شملت نسبا عالية من المتقاعدين ؟ ما نريد التأكيد عليه هو ان المتقاعدين ومن يُعيلون هم من أضعف الشرائح الاجتماعية حاليا ، ويفترض وهم في مثل هذا العمر ان يتم التعامل معهم في منتهى الرأفة والإنسانية، بالإضافة الى إعادة النظر في ظروفهم المعيشية والمادية، وبالتالي ليس من مسؤوليتهم متابعة ما يجري من وراء الكواليس من تغيير لقانون هنا او استحداث لقانون هناك ، ثم لماذا هذه القسوة والصرامة في التعامل معهم وفرض هذه الغرامات الثقيلة، وسط هذه الفوضى العارمة التي تسود دوائر ومؤسسات الدولة، وغياب اللوائح القانونية الثابتة التي تنظم عملها؟ والملاحظ ان حالات مماثلة قد شهدتها دوائر معينة وكان يشوبها فساد إداري ومالي، وقد ترتب على تلك الدوائر وبعض  الجهات في الدولة مبالغ طائلة وتمت تسوية الأمور بطريقة أو بإخرى، إننا مع تطبيق القانون والالتزام به قلبا ً وقالبا، ولكن وفق ضوابط وآليات محددة، وأن يكون المواطن البسيط على بينة في تطبيق تلك الآليات والضوابط، وليس التعامل معه من خلال العقوبات والغرامات، اذا أخذنا بنظر الاعتباران بعض دوائر الدولة تكيل بمكيالين في تعاملها مع تطبيق بعض القوانين النافذة، اعتقد ان المواطن الذي أفنى عمره في خدمة هذا البلد يستحق منا  الكثير، وان السبيل الى ذلك يكمن في عدالة القانون وضرورة صونه وتطبيقه، عندها تسود مفاهيم العدالة الاجتماعية وتترسخ بين أوساط المجتمع الواحد، فمن المعروف عن هذه البلاد تاريخيا ً وحضاريا ً أسبقيتها في تشريع وسن القوانين، وهذه الخصوصية أهم ماتميزت به حضارة وادي الرافدين بين الحضارات القديمة ، ففي الوقت الذي كان يقضي  فيه بشر كثير حياتهم  في المغارات والكهوف كانت القوانين والتشريعات تسود في هذا البلاد  وتنظم حياة المجتمع ، وحصل ذلك في الألف الثالث قبل الميلاد وما تلاه ، بدءا ً من قانون إشنونه ولبت عشتار وأور نمو ثم التتويج الأكبر بقانون المشرع العظيم حمورابي . ما نريد الوصول اليه ، إننا بحاجة ماسة الى ثورة ثقافية قانونية ، إذا ما أريد لهذا البلد أن يأخذ مكانه الصحيح بين منظومة البلدان المتقدمة .

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*