مشهد تراجيدي نسوي ( افراح شوقي

تقود سيارتها كل يوم باكرة لتصل عملها، في الطريق تفتح المذياع، لتأخذها  فيروز والحانها الى عالم آخر، تمر بضع  دقائق ويدق نافذتها صبي صغير بثياب رثة يصر على تنظيف زجاج سيارتها بطريقة لا تعني سوى طلب المال والتسول على نحو آخر، تمد يدها لحقيبتها وتسحب بعض النقود، تغادره وقد علق وجهه في بالها، وما هي الا دقائق اخرى، وتأتيها امرأة مسنة، تطالبها بالمساعدة، فيما انتشر آخرون في التقاطع الذي تقف عنده  يحاولون استدرار عطف الناس، احدهم بعلبة بسكويت وآخر بطفل معاق يحمله على كتفه، وآخر يزحف على الارض وقد اعيته قدماه عن حمله.
هكذا هي مشاهد الصباح، في بغداد اليوم، مشاهد تفضح بكل علانية فشل السياسات الحكومية في احتواء الطبقات الضعيفة، والاسر
العراقية التي تركتها الحروب ومذابح الارهاب كل يوم بلا معيل،.. اكثر من ثلاثة ملايين نازح ونازحة عراقية، تفرقوا في الديار والحكومة عجزت عن توفير الامان لهم، وعن حمايتهم، او حتى تعويضهم …صرنا نسمع كل يوم قصصا اكثر مأساوية ولا نعبأ فالحزن صار كبيرا
ولم يعد يحتمل المزيد.
الفضائيات ووسائل الاعلام لا شيء يملأها اكثر من حديث الموت واحصائيات اعداد القتلى والجرحى، والمناطق المنكوبة، لم يعد لفيروز من مكان في صباحات العراق، اما مناسبة الحديث هنا فهو اليوم العالمي للمرأة، واحتفال دأبت على ممارسته الكثير من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، بعضها يبالغ في تكريم المتميزات والناجحات والمتفوقات، وهذا حق لهن.
لكن اين نحن من النساء المستضعفات، النازحات، الفاقدات للمعيل، والامل؟ اين نحن من اطفال النساء الارامل، وهم يحرمون من التعليم لاجل لقمة العيش؟ اين نحن من نساء لم يزلن يعشن تحت احكام العشيرة الجائرة، وهي تقمع كلمتهن وانسانيتهن؟ اين نحن من بطش مجتمع لم يزل يعتقد اغلبه ان قطعة قماش تضعها المرأة على رأسها تمنحها صك الغفران والعيش بسلام فيما الاخريات على حافة النار؟ اين نحن من نساء ما زلن يتحملن جور اهاليهن او ازواجهن فيما قانون حماية المرأة من العنف الاسري ما زال محط جذب وشد من قبل كتل سياسية فاشلة لا تريد له ان يقر؟ اين نحن من قصص مأساوية لم تزل تحصل فيما يتحفظ عليها آخرون، مع النساء في خيم النزوح وهي لم تعد تستر من يأويها؟.. واين نحن من قصص المشردات في الشوارع ودور الدولة؟.
المطلوب من الوزارات والمؤسسات والمنظمات المعنية بشأن الاسرة والطفل ان تلتفت قليلاً بالعمل الفعلي وليس بالاجتماعات والتنظيرات الى ما تعانيه المرأة العراقية، في بلد غني بموارده وحضارته ومكانته في العالم العربي والعالم.
في يوم المرأة العالمي علينا جميعا ان نعترف بأننا ظلمنا المرأة العراقية واخذنا منها اكثر مما اعطينا لها.. واننا فشلنا في اعلاء شأنها وقدرها بالشكل الذي تستحق بعد كل سنوات التغيير منذ عام 2003 وحتى الآن.
وعندما نحاول التغيير علينا اولا الالتزام بتحقيق الاصلاح الحكومي الكامل واعطاء المرأة حقها بالمشاركة الفعالة بما يحقق التوازن الحقيقي في التمثيل الحكومي واختيار الكفاءات والنخب المثقفة بعيدا عن المحاصصة التي جلبت اسوأ الوجوه, اضافة الى الاعتراف بدور النساء كشريك اساسي في عملية بناء الامن
والسلام، وزيادة وتفعيل مشاركتهن في مواقع صنع القرار وبناء السلام، وتوفير الضمانات الاجتماعية والحماية الكاملة للمرأة والتي كفلها الدستور العراقي النافذ، اضافة الى وضع برامج تنموية من اجل انتشال المرأة من واقعها المرير وتوفير الحياة الحرة الكريمة لها ولأطفالها وحماية حقوقها وإلغاء جميع القوانين والقرارات التي تسيء لها، والاستفادة من العشرات  من الدراسات والاحصائيات التي تقدمها منظمات المجتمع المدني النسوية والتي تؤشر مواطن الخلل في اداء دور الدولة في ما يخص
التعامل مع النساء سواء المشردات او المستضعفات والنازحات.. لأنها هي الاقرب لمعاناتهن عبر الحملات التطوعية التي تقوم بها في كل مرة.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*