مجلس الأمن و مكافحة الإرهاب / بقلم : علي حسن الفواز

بات العالم على معرفة حقيقية بخطورة الإرهاب، وبتضخم ظاهرته دوليا، وهو ما يقتضي البحث عن معالجات حقيقية، ومواجهات ترتقي الى مستوى الفعل، وإلى إدراك مرجعيات هذه الظاهرة ثقافيا وتاريخيا وسياسيا، وحتى دينيا، إذ تكشف معالجة هذه الظاهرة الكثير من الهشاشة وغياب الاطر والآليات الوقائية، مثلما تكشف عن حساسيات وحسابات سياسية لها علاقة بإصطفاف القوى في هذه المنطقة أو تلك. وحين نضع منظورنا حول تفاقم ثقافوية الإرهاب بمظاهره العنفية والتكفيرية، فاننا نسعى للبحث عن خطوط واضحة للمواجهة، على المستوى الوطني، وعلى المستويين الإقليمي والدولي، فضلا عن اقتراح ما يمكن لتفعيل كل الجهود التي من شأنها أن تكون بمستوى التحدي، وبمستوى البحث عن وسائل ناجعة لتكريس وحماية قيم التعايش المدني، ولتعميق قيم التنمية البشرية التي تؤكدها أغلب برامج الامم المتحدة، لاسيما مع اتساع مظاهر الفقر والعوز والنزوح، والهجرات غير الشرعية الى بلدان الشمال. لا شك ان التراخي عن اتخاذ الإجراءات الرادعة يمكن ان يكون سببا في نشوء مظاهر متعددة للعنف، ولثقافة الكراهية، وهو ما يدفع بعض الجماعات، ومنهم جماعات الاسلام السياسي المتطرف لاستعادة خطاب العنف ضد الآخر المختلف دينيا وطائفيا، بوصفه مصدرا للتكفير والكراهية، مقابل البحث عن أُطر صيانية لهذا الخطاب، تلك الاطر التي تقوم على الدعوة لفكرة (الدولة الإسلامية) المزعومة التي تفرض حربها على الآخرين. إن الدعوة الى عقد مؤتمر دولي لمكافحة الارهاب يدعو له مجلس الامن، وليس اية جهة اخرى، تمثل اولى الخطوات الإجرائية القابلة للتنفيذ والتي يمكنها الاتفاق على وضع توصيف عملياتي للإرهاب والتكفير والعنف. مثلما يمكن ان تسهم هذه الدعوة بوضع قوانين دولية واجراءات رادعة لمواجهة هذا الإرهاب، وبما يمنع تضخم ظاهرته أولا بوصفها مصدرا لتهديد السلم العالمي وقيم التعايش، وبما يضع- ثانيا- خطوطا حمرا لتبني ودعم اية دولة أو جهة تدعم جماعات الارهاب وتشيع افكاره وقيمه، وكذلك منع اية وسيلة إعلامية – ثالثا – من التبشير بالخطاب العنفي الاصولي، والدعوة الى إذكاء ثقافة الكراهية والاقصاء. يمكن القول بأنه مثل هكذا مؤتمر سيوفر قناعة دولية رادعة بضرورة مواجهة خطورة هذا الارهاب، مثلما ان الحضور سيكون لازما لإرادة المجتمع الدولي من مختلف دول العالم، وهذا يعني ايضا تنمية الشراكة والتعاضد باتجاه الاحساس بالمسؤولية الدولية ازاء تداعيات تضخم الظاهرة الارهابية وتأثيرها عـلى العالـم اجمـع. إن تنامي الوعي بطبيعة الارهاب، يتطلب من الجميع تحشيد اكبر عدد ممكن من القوى الدولية والاقليمية والمحلية لمواجهة انتشار بعض ثقافات هذا الارهاب – حتى داخل المجتمعات الاوروبية – مثلما هو انتشارها في بلدان الشرق، ولعل اتساع عدد المقاتلين الإجانب الملتحقين بالجماعات الارهابية من اوروبا، ومن جنسيات مختلفة يؤكد الحاجة الضرورية الى مواجهة هذه الظاهرة الارهابية بسبب خطورتها المهددة للسلم المجتمعي العالمي. كما أن السعي في هذا الاتجاه يتطلب بالمقابل العمل على وضع برامج اجرائية لهذه المواجهة، وتوسيع مديات المشاركة الثقافية والامنية، والعمل الجاد والفاعل على صناعة رأي عام ضاغط وفاعل يمكنه التأثير على قطاعات واسعة، لا سيما الشباب، فضلا عن الدعوة لمواجهة كل العوامل السسيواقتصادية الدافعة لإنشاء بيئات القهر والفقر والاستبداد. إن العمل بجدية على فضح الطبيعة الاجرامية التي يمارسها الارهابيون في العديد من البلدان العربية والغربية هو مسؤولية الجميع، ونعتقد أن ماحدث في باريس مؤخرا يكشف عن أول مظاهر غياب الوعي بهذه المسؤولية من جهة، وضعف الاجراءات المتخذة في هذا المجال من جهة اخرى، فضلا عن غياب أي عمل دولي اقتصادي أو سياسي أو ثقافي لمواجهة (ثقافات التخلف) و(اقتصادات التخلف) التي ترتبط ببيئات انتاج العنف وتعويق الحوارات الحقيقية بين الثقافات المتعددة والمتنوعة. العقل الاجتماعي خطورة الإرهاب باتت تمثل اكبر قوة مضادة لتهديد العقل الاجتماعي، والترويج لمظاهر التفكك التي يمكن ان تصيب المجتمعات بالتشوهات الثقافية، والعودة بها الى مايشبه (الحروب الدينية) و(الحروب التبشيرية) وهو ما يعني وضع السلم الدولي أمام خطورة تفكك الامن والسلام والتعايش المشترك، فضلا عن ما يمكن أن يفرضه هذا الارهاب من سلوكيات تدميرية تدمر المجتمعات والجماعات ذاتها، وتفرض افكار التطرف والغلو والتكفير على الآخرين، واخضاعهم لانماط من التعايش القهري البعيد عن الخصوصيات المدنية وأهدافها في تكريس قيم التعايش بين الهويات والمكونات المتنوعة، او الاحساس بالاختلاف الثقافي، وبالحقوق المدنية بالحريات والامان والسلام للجميع افرادا وجماعات. لا شك ان انعقاد مثل هذا المؤتمر الدولي سيكون نقطة ضوء مهمة، لإزالة اللبس حول مواقف بعض الدول من الجماعات الإرهابية، أو حتى دعمها له.. وذلك لأن ما يمكن أن يتمخض عن هذا المؤتمر سيكون ملزما للجميع للعمل على تحجيم خطورة الارهاب وتجفيف منابعه المادية التمويلية والثقافية والسياسية، فضلا عن ما يمثله هذا المؤتمر أساسا من إدراك عميق لإيجاد فضاء دولي لمواجهة الارهاب بكل صوره البشعة، ولا شك ان الارهاب التكفيري يعتبر اكثر هذه الصور رعبا. وأحسب ان العراقيين – كأي شعب من الشعوب التي اكتوت بنار الإرهاب- سيجدون في مثل هذا المؤتمر تعاضدا دوليا وفرصة حقيقية لحشد الطاقات والخبرات والامكانات اللوجستية والامنية باتجاه تفعيل الاتفاقيات الدولية الداعمة للتعايش الدولي، ولرفض كل الممارسات المضادة للحقوق، فضلا عن الدعوة للخروج بتوصيات قابلة للتنفيذ، ومكفولة بالمتابعة ومشفوعة بايجاد البرامج والخطط الداعمة لها، وذلك من اجل ان تتحول مواجهة الارهاب الى ممارسة عالمية، والى عملية وعي حقوقي يقوم على الفهم المشترك للتعاون الدولي، والتنسيق في منع نشوء الظواهر التي تضر بمصالح الشعوب وآفاق تعايشها الانساني. من البديهـي القول بـأن الجماعـات الارهابية تسعى الـى خلـق ما هـو مضـاد وعنفـي للتعايش المجتمعي مـن خـلال ترويع الناس، وإباحـة الصراعات الطائفية والدينية بين المكونات، فضلا عـن فرض انمـاط مغلقة مـن الافكار المضللة المانعـة للحريات وللخصوصيات الهوياتية والثقافيـة. ومن هنا فـان تبني هـذا المؤتمـر الدولي لأوراق عمل واقعية مسندة بالقانون الدولي سيكون التعبير العملياتي عن طبيعة المواجهة مع الارهاب، وعـن امكانية الضغط على كـل الدول والجماعات التي تمول الارهاب والارهابيين، واتخاذ اقصى الاجراءات القانونية ضدهم، ومنع الاتجاهات والفتاوى التي يطلقها البعض من خلال وسائل الاعلام او من خلال المنابر الدينية والثقافية والتربوية والتعليمية، والتعاطي معهـا بوصفها افكارا منحرفة تشوه القيم الحقيقية للاسلام، فضلا عن كونها دعوات مضادة لحقوق الانسان والتعايش المشترك بين الشعوب والجماعات.

حجز الفنادق

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*