ماوراء الستائر الخليجية / بقلم : ياسين العطواني

أثارت دعوة مجلس التعاون الخليجي الى الأردن والمغرب للانضمام الى هذا المجلس جملة من التساؤلات، وإلى موجة من الاستغراب في وسائل الإعلام المختلفة نظراً لغياب أية مؤشرات تمهيدية لهذه الدعوة، فقد كانت خطوة مفاجئة لكثير من المراقبين والمحللين، وخلقت قراءات مختلفة ومتناقضة حول دوافعها.
وأوجه هذا الاستغراب تنبع من تساؤل البعض عن سبب اختيارهذا التوقيت، ولماذا الأردن والمغرب بالتحديد، وعن ماهية الدوافع الحقيقية غير المعلنة التي تكمن وراء هذه الدعوة؟، فالمعروف ان العالم العربي يشهد اليوم تحولات تاريخية غير مسبوقة بعد اندلاع الثورات العربية في معظم دوله، في أكبر تحد للمنظومة العربية الرسمية، ومن المؤكد ان هذه التحولات  سيكون لها أثر واضح على مستقبل أبناء هذه المنطقة.
ويأتي هذا التغير لخارطة التحالفات العربية  كـأحد افرازات هذه التحولات والتي بدأت تتضح معالمها اليوم. وهذا ما بدأت به دول مجلس التعاون الخليجي، والمهم في هذا الأمر ان هذه الدول هي التي بادرت بتوجيه تلك الدعوات العابرة للحدود، في حين لم ينظر  قبل هذا التاريخ في  طلبات بعض  الدول الراغبة للانضمام لهذا المجلس بما فيها دول مجاورة  مثل الأردن  واليمن ،حيث تقدمت المملكة الاردنية في السابق مع اليمن بطلبي انضمام لدخول منظومة التعاون الخليجي، وكان الرد أن الطلب اليمني أمر صعب، نظراً لأن نظام الحكم في صنعاء لا يتشابه مع أنظمة دول المجلس، أما بخصوص الأردن فبالرغم من أن نظام الحكم فيه يتشابه مع الأنظمة السياسية الخليجية إلا أن  أحد شروط العضوية، أن تكون  للدول المتقدمة منفذ مائي على الخليج العربي. ومن هنا يأتي التساؤل , ما حدى مما بدا؟, ففي الوقت الذي يشكك فيه الكثير من  المتابعين في طبيعة  الدوافع التي ساقها البيان الصادر عن اللقاء التشاوري الثالث عشر للمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون الذي عقد بالرياض مؤخرا ً حول الهدف من وراء هذه الدعوة، والذي كرر فيه بعض العبارات المستهلكة من قبيل (وشائج القربى، والمصير المشترك, ووحدة الهدف )، يذهب أغلب المحللن الى ان الأمر أبعد من ذلك في تحليلهم للدوافع الخفية  ، ما وراء الستائر  الخليجية، ويأتي الدافع الأمني  في مقدمة هذه الدوافع , وذلك لمواجهة التحرك الشعبي في المنطقة، وما أحداث البحرين ببعيدة عن هذا التصور. بالإضافة الى مخاوف خليجية من  تخلي الحلفاء الغربيين عن هذه الأنظمة في حالة قيام ثورات وانتفاضات  محتملة  في هذه البلدان، والشاهد المصري أكبر دليل على ذلك، وبالتالي فأن فكرة انشاء حلف عسكري وأمني بديل يمثل الأردن والمغرب اللذين يمتلكان قدرات أمنية وعسكرية يمكن أن يعوض عن النقص الذي تعاني منه دول الخليج. وما يعزز وجهة النظر هذه، هو عدم دعوة بلدان عربية أخرى، وهي أقرب من غيرها ، كلبنان اومصر, وحتى العراق باعتباره بلدا خليجيا، وهذا الأمر  من أبرز شروط العضوية المعلنة ، بل ولماذا لم يتم قبول عضوية اليمن المقدمة إلى المجلس منذ عدة عقود؟ اعتقد ان الهدف الستراتيجي من وراء ذلك ليس الوصول الى تكامل سياسي واقتصادي، او  تعاون بين شعوب المنطقة، كما يروج له البعض، انما هو بناء تحالف أمني بين أنظمة  متشابهة لمواجهة تحديات شعبية محتملة تهدد وجود ومستقبل هذه الأنظمة، كما يمكن اعتبار هذا التحالف رسالة موجهة الى قوى اقليمية ودولية تصنف خليجيا بأنها تشكل تهديدا خطيرا لأمنها ووجودها الأقليمي، وهي بذلك تريد ابعاد شبح المخاطر من خلال وجود هذا التحالف.
أما فيما يخص الطرف الآخر المكمل لهذا التحالف، ونعني به  المغرب والأردن، فهناك مخاوف وقلق لدى الرأي العام من أن الانخراط في مثل هكذا تحالفات قد يؤثر على مشروع التغيير والاصلاح السياسي فيهما، من خلال إعطاء الأولوية للمتغير الأمني في السياسة الخارجية، ومنحه ذرائع جديدة في اللعبة السياسية الداخلية في مقابل المزايا الاقتصادية الممنوحة لهما في إطار مجلس التعاون الخليجي. وفي مقابل هذا التحالف فمن المحتمل ان يتشكل محور جديد منافس له، ولكن هذه المرة يتكون من البلدان العربية التي نجحت فيها الثورات الشعبية او في البلدان التي هي في طريقها الى النجاح، وبلا شك سيكون المحور الجديد أكثر رصانة وأقوى متانة بحكم مشروعية هذا التحالف، على اعتبار ان مثل هكذا تحالفات واتفاقيات ستراتيجية  في النظم الديمقراطية لا تتم الا بعد أخذ رأي المواطن في ذلك، من خلال  اجراء الاستفتاءات الشعبية في قبول او رفض هذه التحالفات، بالاضافة الى التقارب الحاصل في المفاهيم والرؤى والأهداف بين شعوب ما بعد الثورة في هذه البلدان.
وخلاصة القول، ان الدفاع عن أمن واستقرار المنطقة لا يكون باعلان قرارات ارتجالية مفاجئة، او توجيه رسائل سياسية لهذا الطرف او ذاك، وانما بالعمل على تعزيز حلم الشعوب المتمثل بتحقيق العدالة الاجتماعية، وهذا لن يتحقق الا بعد استكمال وبناء المؤسسات الديمقراطية والدستورية.

حجز الفنادق

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*