ماذا أرادت منا ” الدوخة ” ؟ ( عباس عبد الرزاق الصباغ

يطيب لي ان استعير توصيف الرئيس المصري الاسبق حسني مبارك للدور المشاكس الذي تلعبه دويلة قطر (اللاعب الاقليمي الاصغر) وتدخلها في الشؤون الداخلية للدول الاخرى استنادا الى أجندات سياسية خاصة بها ولاسيما مع مصر (اللاعب الاقليمي الاكبر والأهم) بأنها «الدوخة» بالخاء تقليلا من قيمتها السياسية ودورها الذي لا يتناسب مع حجمها الجيوبولوتيكي فهي بحكم جغرافيتها الضئيلة وموقعها (شبه جزيرة تقع في منتصف الساحل الغربي للخليج العربي) لا تتمتع بحيوية جيو ـ ستراتيجية فائقة الاهمية وليس لها حضور سياسي بارز ما عدا تبعيتها التاريخية «للشقيقة» الكبرى (المملكة العربية السعودية) فهي تعتبر الحديقة الخلفية للرياض في احسن الاحوال او تحاول في بعض الاحيان ان تجد متنفسا لها لتخرج عن الإسار السعودي بلعب دور كومبارس اقليمي كشرطي منطقة صغير وباشتراطات سعودية ايضا، اما موقعها في مناسيب بيانات سلة اوبك فهو لا يعطيها ذالك الدور الستراتيجي  الذي تحلم به وتحاول ان تضع نفسها فيه رغم ثرواتها  الطبيعية الهائلة لا سيما الغاز فهي تمتلك اكبر حقل غازي في العالم.
قطر منذ استقلالها المتأخر عن التاج البريطاني عام 1971 كانت ولا تزال تحاول ان «تنط» على اكتاف جيرانها من ذوي الاهميات الجيوبولوتيكية الفائقة كالعراق وايران وبعيدا في محيطها الحيوي كمصر وتركيا، فهي لم تكن سوى «دوخة» رأس لا اكثر بالنسبة للاعب اقليمي كبير كمصر وللعراق ايضا بعد ان كانت مجرد إمارة من إمارات الساحل المتصالح الذي ضم الامارات العربية المتحدة فيما بعد وقد تم فصلها  هي والبحرين عن هذا الاتحاد الكونفيدرالي الوليد الذي تأسس بفرمان بريطاني اقتضته ضرورات الحرب الباردة التي كانت مستعرة بين المعسكرين الغربي والشرقي انذاك، ولضرورات المصالح الامبريالية في منطقة الخليج العربي والتي تحتمت ان يكون هذا «النتوء» دولة مستقلة وعضوا في جميع المنظمات الدولية والقارية والاقليمية، وراحت قطر منذ ذلك الحين تبحث لها عن موطئ قدم لها في خارطة الاهميات الجيوستراتيجية الإقليمية وان تكون بيدقا بين كبار اللاعبين في رقعة الشطرنج الشرق اوسطية من خلال افتعال ادوار تليق بدول اكبر كالنشاطات الإعلامية (تأسيس امبراطوريات اعلامية كالجزيرة) وكالنشاطات الرياضية (شراء نواد ولاعبين محترفين عالميا وضمهم الى النوادي القطرية) واستغلال ما تراكم من ثروات هائلة في التدخل في شؤون الاخرين باستخدام اجندات سياـ طائفية واضحة لكي تبرز على انها فاعل اقليمي يحسب له الف حساب بين «الكبار»  كما فعلت مع العراق منذ التغيير النيساني في 2003 وحتى الآن من خلال اللعب على الاوتار الطائفية وتسويق نفسها على انها راعية «مخلصة» لأهل السنة التي تدعي تهميشهم ومظلوميتهم على يد الشيعة وليس بجديد مسلسل التآمر والتدخل القطري في العراق مع شراكة ومباركة سعودية فاضحة والتورط القطري في الشأن العراقي والإيغال بالدم العراقي من خلال دعم الارهاب والارهابيين بجميع اشكال الدعم اصبح امرا مكشوفا وواضحا وصارخا.
مؤتمر(القوى السنية العراقية المعارضة)  ليس آخر محاولة  للتدخلات القطرية في الشأن العراقي وشق الصف الوطني العراقي ومساومة القوى الارهابية الاجرامية ولم تكن اولها، فمؤتمر القوى السنية الذي انعقد في الدوحة والذي تحفظت عليه اغلب القوى السنية العراقية الشريفة واعلنت عدم تلبية الدعوة التي وجهها لها وزير خارجية قطر إبان زيارته الاخيرة للعراق والتي اعلن عنها في حينها انها زيارة تأتي «لتفعيل» العلاقات الثنائية بين البلدين وازالة المعوقات ( واجواء التوتر والتشنج) التي تقف حجر عثرة في ارساء علاقات طبيعية ومتوازنة بينهما وهو ما يتوخاه العراق ايضا في علاقاته الخارجية لا سيما مع محيطه الاقليمي.
لقد فهمت القوى السنية «الرسالة» التي ارادت ان توجهها اليها قطر من خلال توجيهها الدعوة الى خليط غير متجانس من بعثيين  محظورين اساسا من أي عمل سياسي في الاراضي العراقية ومن مطلوبين للقضاء العراقي بتهم  الارهاب ومدانين ومحكومين وذلك بمغازلة هذه القوى وعزلها عن محيطها العراقي وشرذمة اللحمة الوطنية التي تواشجت واتحدت في حربها المصيرية ضد داعش والفساد وهذا هو الهدف الاول من هذا المؤتمر الذي عقد بحضور سفراء السعودية والامارات والممثل الخاص للامين العام للأمم المتحدة في العراق فضلا عن راعي المؤتمر وزير الخارجية القطري في
وقت غاب عنه أي ممثل للحكومة العراقية او مندوب عنها.
كما قد تيقنت القوى السنية التي رفضت شعار المصالحة الوطنية التي رفعها المؤتمر  ان المصالحة الوطنية ليس شعارا يطرح في دولة متورطة حتى النخاع بالدم العراقي وان عقد المؤتمرات التي تخص الشأن العراقي يجب ان يكون على الأراضي العراقية حصرا وليس في دولة هي غير معنية بهذا الشأن مطلقا فالحكومة العراقية والشعب العراقي هما المعنيان الرئيسان في هذا المسعى إن توفرت النية السليمة لكل الأطراف وهو ما لم يتوافر لا في الحكومة القطرية ولا في الاطراف التي حضرته وهي – بحسب ما تسرب من أروقة المؤتمر – اطراف لا تعترف من الاساس بوجود عملية سياسية في البلد وتعتبرها امتدادا ذيليا لمشروع الاحتلال الاميركي الذي اطاح بالديكتاتورية الشمولية.
ان تشتيت الرأي العام السني وزرع التفرقة ما بين الاتجاهات العشائرية والسياسية والحزبوية السنية يمثل الهدف الثاني الذي توخته الدوحة من هذا المؤتمر من اجل تمرير أجنداتها الخاصة بالاتفاق مع توابعها وذيولها بعد ان تحصل على موضع قدم لها في الشارع السني.
لقد فضلت الشخصيات السنية التي قاطعت المؤتمر (40 شخصية) البقاء تحت خيمة الوطن والوطنية العراقية الحقة مشككة بنوايا هذه الدولة التي لم تصدق يوما مع العراق وخلال ما يقرب من عقد ونيف من الزمان بدليل عقد مؤتمر بائس دعت اليه شخصيات من لون طائفي واحد وتحت ذريعة «بحث» مستجدات الشأن العراقي و»مناقشة» الأوضاع السياسية وملف «المصالحة».
والمريب  في الامر ان التباحث في هكذا مواضيع عراقية حساسة يجري من قبل اناس مناوئين للعملية السياسية وليس لهم وزن جماهيري او حزبوي وحتى شوارعي او عشائري وبعضهم متورط بالارهاب كالمدان طارق الهاشمي ورافع العيساوي وغيرهم من الذين تريد قطر ان تشكل منهم حصان طروادة لتعبث علنا بمقدرات المشهد العراقي وهو الهدف الآخر الذي تروم قطر تمريره من هذا المؤتمر الذي يخالف ابسط القواعد الدولية والسلوك الدبلوماسي المتعارف عليه، والذي من غير الممكن ان نبتعد في البحث عن دوافعه ونتائجه عن نظرية المؤامرة في الاستماتة القطرية المستمرة بدس انفها في الشأن العراقي.

حجز الفنادق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*