ليبيا.. أسئلة العودة للوعي / بقلم : علي حسن الفواز

ما يحدث في ليبيا اليوم قد يكون نوعا من (العودة الى الوعي) لكن ليس على طريقة توفيق الحكيم، بل على طريقة اللواء خليفة حفتر. هذا الوعي المستعاد سيلبس الكثير من لبوس العسكرة، مثلما سيكون تعبيرا عن فقدان الامل في انتاج اية بضاعة تخص الدولة المدنية، او الدولة  الطاردة  لمرحلة ما بعد حكم العقيد الفنطازي معمر القذافي، تلك الدولة التي اصطنع لها البعض من ممولي حملة اسقاط القذافي، مع البعض من صناع الوهم الغربي تصورا عن نموذج الحاكمية الجديدة، اقصد حاكمية الثورة، تلك التي سقطت منذ لحظتها الاولى، لاسيما بعد ان  فاض اللاوعي الجماعاتي في ليبيا، وانكشف النسق المضمر لتلك الجماعات القبائلية واللغوية والمناطقية والنفطية، لتطيح بالدولة والنفط والعسكرة والثورة، ويكون الجميع امام مفارقة تمثلت مابين شرعية الدولة، وبين بروز مظاهر الحكم الاصولي والعودة الى الشرعة الجهادية.
الثورة المضادة التي يقودها اللواء المتقاعد من الجيش الليبي خليفة حفتر ضد الميليشيات المتشددة والتنظيمات الاصولية تكشف عن ارهاصات (العودة الى الوعي) وادراك ماينبغي ادراكه من الضياع الوطني، اذ بات الوضع الامني محكوما بالتشظي، وباتت العملية السياسية شكلية وعاجزة وسط صراعات وحروب داخلية تحكمها مصالح وتمويلات عربية ودولية، فضلا عن المصير المجهول للثروة النفطية الكبيرة، تلك التي تحكم موانئ انتاجها وتصديرها جماعات قبلية تفرض سيطرتها المسلحة على العديد من المدن الساحلية الليبية مثل بنغازي وطرابلس ومصراته
وغيرها.
الخراب الامني والخراب النفطي والخراب السياسي يثير اسئلة مرعبة، عن طبيعة مايجري، ومن المسؤول عن نهاياته التراجيدية؟ ومن المستفيد الحقيقي عن تعرّض الشعب الليبي لهذه الصراعات المرعبة؟ ومن سيضع يديه على الثروة النفطية؟ والى اين سيتم تصديرها؟ واين ستذهب الاموال المستحصلة؟
ولعل السؤال الاكثر رعبا  يتعلق بالترسانة العسكرية الليبية، تلك التي ترك القذافي مخازنها مفتوحة للجماعات المسلحة، والتي تشكل اليوم واحدة من اخطر بؤر تسليح المتطرفين في الدول الافريقية مثل بوكو حرام في نيجيريا، وفي افريقيا الوسطى وكينيا وجماعة الشباب في الصومال والحركات المتشددة في السودان، فضلا عن تأثيراتها على الصراع العنفي في دول عربية اخرى مثل مصر وسوريا وتونس والجزائر.. هذا الخطر المسلح سيكون عنوانا لمواقف وسياسات اوروبية وحتى اميركية بدأت تتضح ملامحها مؤخرا، اذ هي تنظر بشيء من الرضا الخجول الى الثورة المضادة التي يقودها حفتر، لاسيما بعد ان اصبحت الجماعات الارهابية تهدد السواحل الاوروبية، وتعمل على تنشيط الهجرات غير الشرعية  اليها، فضلا عن دورها في تشجيع عمليات التهريب النفطي وغسيل الاموال مع بعض المنظمات السرية التي تعمل في اوروبا.
هذه المعطيات بدأت تثير مواقف متناقضة في العديد من الدول الخليجية، لاسيما قطر التي كانت الراعية والممولة اعلاميا وسياسيا وماديا لاسقاط القذافي، وتشجيعها لحركات اخوانية لان تكون هي القوة المهيمنة على الواقع السياسي في ليبيا، لكن الامور جاءت بمعطيات متغايرة تماما، وكشفت عن تناقضات غريبة، فبالامس كان الشيخ القرضاوي المرشد الروحي للاخوان في قطر يدعو للجهاد ضد القذافي، واليوم بات يدعو للجهاد لمواجهة قوات حفتر التي يعتبرها كافرة!.
طبعا ما كان للقرضاوي ان يطلق حملته الجهادية دون رضا الحاكمية القطرية التي تحلم بنظام اخواني تقوده مع الاخت الكبرى تركيا، وماحدث في مصر وفي سوريا وفي العراق ولبنان واليوم في ليبيا كان بداية النهاية  لهذه الاحلام غير الواعية، ولمفهوم افتراضي عن استعادة الشكل(الاصولي الاخواني)  للدولة غير القابلة للحياة، وغير القابلة للرضا من الدول الاوروبية ذاتها، تلك التي ادركت خطورة صعود الجماعات العنفية- بقطع النظر عن نواياها- الى سدة الحاكميات في الدول العربية.

الشعب الليبي وكارزما حفتر

التظاهرات التي شهدتها مؤخرا مدن مثل طرابلس وبنغازي وطبرق وسبها وغيرها دعما لمواجهة الارهابيين، والدعوة الى انتخاب برلمان جديد تضع علامة استفهام حول تخويل العسكر برئاسة حفتر بمواصلة عملية التغيير، رغم صعوبتها، خاصة مع وجود مؤسسات رسمية، كرئاسة الوزراء والكابينة الوزراية، مع وجود جهات امنية رسمية حاكمة، الاّ ان هذا التفويض الشعبي كما سماه العقيد حفتر، يعني التبشير بانطلاق عملية تغيير حقيقية لضبط مسار الوقائع السياسية، وللتصدي للجماعات، ولمظاهر العنف، وربما للتبشير من جانب آخر بظهور شخصية قريبة الى حد ما  من شخصية المشير المصري (عبد الفتاح السيسي)، يملك كارزما وانضباطية العسكري، مثلما يملك نزوعا ثوريا لمواجهة الجماعات التي تبشر بالحكم الاصولي في ليبيا.. وعملية الكرامة التي اطلقها حفتر، بدت واضحة في البيان العسكري  الذي بثته العديد من القنوات التلفزيونية المحلية، والذي دعا الى مواجهة الفوضى والرعب ونهب ثروات الشعب، داعيا الليبيين الى(دعم جيشهم في هذه المرحلة التاريخية)لطرد كل الذين يعبثون بمستقبل هذا الشعب، وبثروته واستقلاله وسيادته وامنه، ومنع كل اشكال التدخل الاقليمي والدولي.
صورة العقيد خليفة حفتر تحولت الى صورة للبطل الشعبي، والى مجال نفسي للتعبير عن المزاج الثوري، المزاج الذي ازاح عقدة الخوف من العقل الشعبي، اذ عمدت تلك الجماعات الى فرض سياسة التخويف والقهر، وفرض اشكال معقدة للطاعة تحت مسميات شتى، بعضها يوظف المرجعيات الفقهية والشرعية، وبعضها عمد الى سياسة الاغتيالات  التي راح ضحيتها  العديد من ضباط الجيش الليبي، وبعضها الاخر يهدد علنا بالسلاح الذي اصبح مشاعا ومباحا وحتى رخيصا، اذ ان  القذافي الذي كان يحارب الاوهام،  ترك ترسانات هائلة من الاسلحة  التي  انفقت عليها مليارات من ثروة الشعب الليبي.

فوبيا الحاكم العسكري

تصاعد  موجة العنف في  ليبيا، وفشل مشروع الثورة، يضع البعض امام عقدة الوعي(الوعي الشقي) الوعي الذي ارتبكت ادواته التعبيرية، وفقد القدرة على مواجهة المتغيرات الصادمة، وماعادت امامه فرصة لإحداث التغيير سوى العودة الى شفرة (البطل) لكي يتخلص من اوهام البطولات الخادعة التي تترك رعبها الجماعات الارهابية والتكفيرية في الشارع الليبي، والتي وضعت ليبيا امام افق عدمي، اذ غابت المؤسسة الصيانية، وغاب العقل الحاكم، مقابل حضور السلطة بوصفها القوة العنفية التي تملك العنف والثروة، والتي تفتقد اساسا الى وجود اي برنامج للانقاذ الوطني.
وسط هذه الاشتباكات بات العقل الشعبي الليبي من الناس البسطاء ومن التجار والموظفين، وحتى من المثقفين، يهجس برعب صعود جديد للحاكمية العسكرية، والتي قد تكون مصدرا للقلق والاستبداد، او لصناعة نوع من الدولة التي يمكن ان  تتحول الى دولة مركزية ذات نزعة عسكرية صارمة.
هذا الرعب المقلق والمثير رغم ضغطه اضحى اكثر رحمة من رعب الجماعات، ومن رعب المستقبل الذي يمكن ان يقودوا ليبيا اليه، وحتى التصريحات التي بدأت جماعة المؤتمر الوطني بوصفها الجهة التشريعية في ليبيا، بطرحها ازاء عملية حفتر العسكرية لم تعد قادرة على الحد من اتساع (عملية الكرامة)كما سمتها الادبيات الاعلامية، لانها اخذت تتحول الى واقع نفسي وسياسي وعسكري مشحون بالنزوع الثوري، وباتجاه تطهير المؤسسة الليبية من كل تركات الجماعات الحاكمة، وباتجاه استعادة الهوية الليبية المفقودة، واحسب ان حركة حفتر باتت تجد من يدعمها عربيا واقليما، خاصة الحكم الجديد في مصر، من منطلق تناغم الاتجاهات السياسية والامنية، ومواجهتهم داخليا لعدو واحد المتمثل بالجماعات الاخوانية ونزعاتها الارهابية الجديدة.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*