لوثة جينية / بقلم : د. سعد العبيدي

نعتقد -ويجب ان يكون هذا الاعتقاد صحيحا من الناحية العلمية- أن مسألة التحصيل الدراسي والمنزلة الاجتماعية تعطيان صاحبهما قدرة عالية على ادراك الواقع المعاش، فيبتعد بسببهما عن كثير من الممارسات الاجتماعية غير الصحيحة والسائدة بين الناس العوام، وبضوء هذا الاعتقاد يفترض ان لا يتحيز الاستاذ الجامعي لابن عشيرته في موقف امتحاني مطلوب ان يكّون من خلاله رأي عن طالبين سيتم اختيار احدهما لبعثة ما، وعلى مستوى الاعتقاد نفسه يفترض أن لا يميز الضابط بين جنديين في موضوع الاجازة او الواجب كان أحدهما من منطقته، وهكذا تستمر الامثلة الافتراضية المنطقية عن ذوي التحصيل.
إلاّ ان هذا الاعتقاد يبدو غير منطقي او غير صحيح في المجتمع العراقي او في بعض الجوانب من ممارسات هذا المجتمع، ومثالنا على هذا الاستنتاج أطباء تعلموا التعامل الانساني وأقسموا عليه، وعلى اساسه نجد أن الطبيب يعالج الجميع حتى اعتاد الاطباء معالجة أعداء دولتهم في ميادين الحروب، لذا تعلموا الترفع فوق كل الاعتبارات ذات الصلة بالتحيز والنظرة الى المقابل بضوء انتمائه السياسي أو الاثني، لكننا تلمسنا العكس من هذا في سلوك اطباء عراقيين يعملون في بريطانيا قد اسسوا جمعية في احد الاختصاصات المهمة واعتادوا عمل انتخابات سنوية لاختيار رئاستها، وقد حصل الانتخاب لعموم السنوات التي أعقبت التغيير على اسس طائفية، اذ يتكتل البعض من الاطباء قبل التصويت ويتناخون فيما بينهم لينتخبوا واحدا من ملتهم، احدهم يتصل مع صاحبه بالتليفون ويحثه على الحضور الفوري ليحقق أغلبية في التصويت لمرشح يصفه (من عدنه وبينه).
انها كارثة فكرية لمجموعة انسانية رفيعة تعيش في بريطانيا أقلهم قد أمضى في ربوعها ثماني سنوات وكوّن عائلة، وتعامل مع اناس من مختلف الاجناس والاشكال، وانتخب مرشحين للبرلمان البريطاني بإرادته الحرة، لكنه وعندما تقدم خطوة من موضوع يتعلق بالعراق، تذكر طائفته، ولم يكتف بإعطاء صوته بهدوء، ومن دون جرح الحياء الوطني، بل بات يتكلم ويحث الغير على مؤازرة رأيه ليأتي الى رئاسة الجمعية طبيب من الملة نفسها.
اذا ما كان هذا التفكير على مستوى طبيب وجمعية بسيطة لا مهام سياسية لها سوى التذكير بالهوية العراقية وتقديم بعض الخدمات البسيطة لاعضائها وحضور المؤتمرات العلمية النادرة، فما بالنا عند الانتقال بالتفكير الى داخل العراق على مستوى السياسة والمناصب البرلمانية الاستثمارية، عندها سنتغاضى حقا عمن يحمل بندقية، ليحاول بقوتها فرض صوته في الانتخاب. وعندها ايضا سنخرج باستنتاج خارج سياقات المنطق العلمي في قوانين الوراثة مفاده أننا نحمل في داخلنا جينات انحياز يتم انتقالها عبر الاجيال وراثيا، تظهر فاعليتها في مواقف الحياة عند الطبيب والاستاذ الجامعي كما هو الحال عند آخر لم يكمل الدراسة الابتدائية لقصور في قدراته العقلية.

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*