لنتعلم من تظاهرات الجمعة / بقلم : سالم مشكور

تظاهرات الجمعة الماضية 25، شباط، في بغداد والمحافظات، كانت اختبارا للمواطنين والحكومة على حد سواء، لمدى قدرتنا على ممارسة هذا السلوك الديمقراطي الحضاري، فهل نجحنا؟.
على مدى عقود لم يعتد العراق على مظاهرات شعبية  اللهم إلاّ إذا كانت مبايعة لرأس النظام وحزبه “القائد” أو تنديدا باسرائيل وتأييدا لفلسطين. لم تكن هناك فرصة لتظاهرة احتجاجية مطلبية تخص حقوقاً ضائعة أو خدمات متردية لان ذلك كان سيعني، في عرف ذاك النظام، كفرا به يستحق عليه الشعب أقسى العقوبات. من هنا لم يكن يفكر أحد بالاقدام على ما يعد في ظل الانظمة الدكتاتورية إنتحاراً، بل كنا نكتفي بالتذمر همسا مما نعانيه، وداخل غرف مغلقة خوفا من ان يصل تذمرنا الى السلطة فتعتبره عمالة “للاستعمار والصهيونية”.منذ زوال النظام السابق بات الطريق مفتوحا أمام إعتماد التظاهر وسيلة سلمية للمطالبة بالحقوق، بل ان الدستور جعل ذلك حقا للمواطنين وربط ممارسته بقانون ينظم آلياته. لكن هذا القانون لم ير النور كما العشرات من القوانين التي يتطلب الدستور سنّها, حتى فوجىء المسؤولون بالدعوة الى تظاهرات مطلبية واسعة إستلهمت من تظاهرات تونس ومصر وليبيا رغم الفرق الكبير بين  أهداف تلك المظاهرات،  والمظاهرات التي دُعي إليها هنا. فهنا نظام ديمقراطي يعاني الكثير من النواقص والثغرات التي تحتاج الى إصلاح، فيما هناك تقبع أنظمة دكتاتورية منذ عشرات السنين، رغم أن البعض من معارضي العملية السياسية في العراق حاول الدخول على الخط أملاً في دفعها الى اسقاط النظام ككل وهو ما يعني تحقيق حلم هؤلاء في عودة الدكتاتورية أو إسقاط الحكومة التي لم تكتمل بعد، وهو ما يعني إدخال البلاد في أزمة سياسية  جديدة.
عدد من السياسيين المعارضين للعملية السياسية من خارجها وداخلها بدأ يتحدث عن “التغيير” ويبشر به. وبعض المحطات التلفزيونية جندت أقصى طاقاتها لتحريض الناس على الثورة على النظام متغافلين عن تمييز الناس هنا بين الانظمة الدكتاتورية المتساقطة حاليا، ونظامنا الديمقراطي الوليد. كل هذا دفع قوى سياسية ودينية الى التحذير من دخول المغرضين على خط التظاهرات وحرفها باتجاه لا يصب في مصلحة المتظاهرين والبلاد ككل، كم دفع  الحكومة الى التحفز وإتخاذ إجراءات رآها البعض مبالغاً فيها بشكل كبير.التظاهرات التي خرجت شابها الكثير من النواقص والخلل في الاداء، لاسباب يتعلق بعضها بحداثة التجربة وقصور في فهم هذه الممارسة الحضارية وغياب شعارات واضحة ومحددة، و كذلك غياب جهة واحدة تديرها وتضبط إيقاعها، وتعود أسباب أخرى إلى ضعف الوضع الامني وتوفر الفرصة للسرّاق والبلطجية. هكذا شهدنا بعض الممارسات غير المنضبطة من حرق لمؤسسات عامة في المحافظات فيما كانت مظاهرة بغداد الاكثر انضباطا. في المقابل جاء التعاطي الحكومي مع التظاهرات مشوبا بتوتر مبعثه الخشية من ممارسات تورّط القوى الامنية بدماء الناس. ادى هذا الى إجراءات وصفت بالمبالغ فيها، سياسيا وأمنيا وإعلاميا. كان يمكن التحفّز غير المعلن بدرجة قصوى، وفي نفس الوقت إبداء إيجابية ومرونة كبيرتين تطمئنان المتظاهرين الحقيقيين وتفوت الفرصة على المتصيدين في الماء العكر. بدل ان نرى أجهزة أمنية تتصرف بما يتعارض تماما مع شعاراتنا الديمقراطية فتلاحق بعض الاعلاميين والمثقفين وتعتقلهم باسلوب لا يمكن القبول به أبدا.
ما جرى تجربة يستفيد منها كلا الجانبين، السلطة والشعب. نستفيد من ثغراتها فنتحاشاها ونحدد ايجابياتها فنرسّخها. سيتعلم الناس بمرور الوقت كيف يطوّرون أداءهم المدني الحضاري، وسيتعلم المسؤول كيف يقبل هذه الممارسة وكيف يتعامل معها بما يخدم بناء نظام سياسي متين عصي على الاختراق.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*