للحرب وجوه كثيرة / بقلم : طارق رسن

لم يكن العراق إبان حكم البعث البائد سوى حاضنة لتفريخ الحروب، تديره مؤسسة قمعية تعمل بكل ما أوتيت من وسائل على تعبئة الجماهير لكي تتقبل ويلات ومصائب تلك الحروب، وترضخ لنتائجها المأساوية وكأنها قدر مكتوب لا خلاص منه. لقد كان قائد البعث الضرورة محض كتلة من الخراب، تكمن في داخلها طاقة تدميرية هائلة، مشحونة بكمية مهولة من الشر، ولم يكن التنكيل بأبناء شعبه كافيا لتفريغ تلك الطاقة وانزياحها، فوجد في الحروب خير متنفس لها.. فمن حرب الثمان سنوات الطاحنة مع إيران، إلى حرب احتلال دولة الكويت، إلى الحرب الأخيرة التي اخرج فيها الجنود الاميركان طاغية العراق المولع بالحرب من حفرته القذرة، لتنتهي بذلك حقبة البعث الأسود التي دامت لأكثر من ثلاثة عقود عجاف نكب فيها العراق وشعبه شر نكبة.
وبتحطم كيان البعث الفاشي وفرار فلوله مذعورة خائبة، تنفس العراقيون الصعداء وراودتهم أحلام العيش في وطن يسوده الأمن والرفاه والعدالة الاجتماعية، وينعم بالسلام تحت مظلة الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان.. ولكن هيهات، فما كل ما يتمنى المرء يدركه.. فقد وجد العراقيون بأن وطنهم يتعرض لحرب شرسة، لها جبهات كثيرة، تشن عليه من جهات مختلفة منها معلنة معلومة المصدر وأخرى خفية، حرب تختلف عن حروب صدام العبثية التي عرفها العراقيون، إذ كانت تلك الحروب واضحة في معالمها وأساليبها وأسلحتها.. وأماكن القتال فيها محددة، وخسائرها ونتائجها لا تخفى على احد، والناس آنذاك معبأة المشاعر ضد أعداء معينين معروفين، وليسوا أعداء ملثمين أو متخفين بصور شتى. القاعدة وتنظيمها الإرهابي المتحالف مع فلول البعث ألصدامي، هي الوجه الأكثر وضوحا وقبحا من الوجوه الكثيرة لتلك الحرب، فالقاعدة لم تترك وسيلة من وسائل الترهيب والترويع إلا استخدمتها لتفتك بالشعب العراقي، ذلك الشعب الذي تلاحمت مكوناته وأطيافه المتنوعة مع القوات الأمنية الوطنية ليوجه ضرباته المتلاحقة للقاعدة وأذنابها، ويلحق بها هزيمة نكراء ضاربا بذلك أروع الأمثلة في التضحية والصبر، وما زالت حربه ضد الإرهاب قائمة إلى وقتنا الحاضر. المفسدون، أولئك السفلة، الذين ابتلي بهم المجتمع العراقي، كانوا وما زالوا سكينا مغروزة في خاصرة العراق، فما إن تغلغلوا في مؤسسات الدولة بطرقهم المنحرفة حتى عاثوا فيها فسادا وخرابا، جاعلين من الوظيفة العامة بقرة حلوبا تدر لبنها عليهم وحدهم. لم يكتفوا بما يحصلون عليه من مرتبات وامتيازات مغرية ولم يقنعوا بما أفاء الله عليهم من نعمه، فسولت لهم أنفسهم الخبيثة الاستحواذ على أموال العراقيين وسلبهم حقوقهم بالرشوة، والتزوير، و الاختلاس، والاحتيال، والمحسوبية… وبكل الوسائل القذرة الأخرى.
خطر المفسدين لا يتمثل في تعطيل مشاريع التنمية والاعمار، وعرقلة عملية معافاة العراق، وتشويه شخصية الإنسان العراقي فقط، إنما خطرهم يكمن في تلك القيم والمبادئ الفاسدة التي يغرسونها في بنية المجتمع مثل بذور سامة ستنضج وتنمو في المستقبل لتصبح عادات وسلوكيات مألوفة لا يستنكرها أحد. نعم خطرهم جسيم وجلل، وهم يمثلون وجهاً آخر من وجوه الحرب المعلنة على العراق. شبكات التزوير الناشطة في أكثر من مؤسسة بوسائلها وأساليبها الخاصة تعمل بمختلف الاتجاهات وهي تمثل أحد وجوه الحرب، فهناك شبكات متخصصة بتزوير الوثائق والشهادات المدرسية، وأخرى تعبث في دوائر التسجيل العقاري، وثالثة في تزوير الكتب والوثائق الخاصة بالتعيينات، ناهيك عن شبكات تزوير العملة العراقية وغسيل الأموال وتهريبها.. ورغم إن البعض من هذه الشبكات تم إلقاء القبض على عناصرها إلا إننا لا نستبعد وجود أياد خارجية لها أهدافها وأغراضها المشبوهة هي من تدير تلك الشبكات وتعمل على ديمومتها وفاعليتها.
وفي مكان ما من ارض العراق ثمة أعداء آخرون يتربصون بنا، ينبشون في الأرض، مثل كلاب المقابر، لكنهم لا يبحثون عن جثث لموتى، وإنما عن آثار وتحف احتضنتها ارض الرافدين منذ آلاف السنين لتكون شاهدا على أعرق حضارة عرفتها البشرية منذ تكونها، فهم يهربونها إلى الخارج لمن يدفع المال، وهناك الكثير ممن يهمه أمر هذه الآثار ليفرغ العراق من محتواه الحضاري، أو ربما يريد أن ينسب تلك الآثار إلى جهة معينة، لذلك فهو يدفع بسخاء. وآخرون فتحوا جبهة أخرى تميزت بأساليبها وطرقها المبتكرة، جبهة خاصة بتهريب النفط العراقي وبيعه بأبخس الأثمان.
وبعد، فلا ننسى من وجوه الحرب المعلنة والخفية على العراق وشعبه تجار الأغذية الفاسدة والأدوية المنتهية الصلاحية، ومهربي المواشي لدول الجوار، وتجار المخدرات، ومزوري البطاقات التموينية الوهمية، والمتاجرين بالأعضاء البشرية ولصوص شبكة الحماية الاجتماعية الذين استولوا على أموال الفقراء بدون وجه حق،كذلك العملية المنظمة لأغراق السوق العراقية بالسلع والبضائع المستوردة.
إن العراق اليوم بحسب وجهة نظري يتعرض لحرب شاملة لا تستهدف تدمير جانب محدد فيه، وإنما تتميز بأن لها وجوها كثيرة ومتنوعة، يتعدى تأثيرها المدمر إلى مختلف جوانب وميادين الحياة العامة  السياسية، والنفسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. وهي لا تدار بشكل عشوائي وكيف ما اتفق بل تسير وفقا لعملية ممنهجة مدروسة، ولا يمكن أن نرجع أسبابها دائما إلى مطامع شخصية أو انحرافات فردية ونجردها من عواملها وأسبابها الأصلية، بل يجب أن نتتبع كافة الخيوط التي تحرك كل هذه العناصر الإجرامية الشاذة، لنكتشف بيئتها الحاضنة ومن أين تنطلق. إن الحكومة مسؤولة مسؤولية كاملة عن حماية أبناء شعبها، لذا فهي يجب أن تكون قادرة ومستعدة في أي وقت على مواجهة كل التهديدات والأخطار الخارجية والداخلية التي تهددهم بتدمير إحساسهم الوطني وتفكيك تماسكهم الاجتماعي، وزعزعة الثقة في أنفسهم..، إذ مع كل انجاز تحققه الحكومة في هذا المجال سيكون التفاف الشعب حولها كبيرا، وسوف يعمل على مساعدتها ومساندتها في وظيفتها.. يقول المثل القديم (إذا رغبت في السلام فاستعد للحرب) ونحن شعب يريد السلام لذا يجب أن نكون جميعا مستعدين لخوض غمار هذه الحرب التي تشن علينا منذ أكثر من 9 سنوات.. والنصر سيكون حليفنا إن شاء الله لأن قضيتنا التي ندافع عنها عادلة، ومقاومتنا مشروعة.

حجز الفنادق

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*