لا صلح ( عمر السراي

” لا صـلح ” .. هي العبارة  الأشهر التي كتبها كليب بن ربيعة التغلبي يوم طعنه جساس في ظهره غيلة ً .. وكانت الصخرة قبل مماته فضاء ً لأن يكتب بدمه هذه العبارة السالفة..
وتحت شعار هذه العبارة .. قتل التغلبيون من البكريين والعكس مئات الأرواح في ما يزيد عن أربعين سنة ! في أشهر حرب ٍ شهدها العرب ( حرب البسوس )
بعيدا عن أسباب نشوب الحرب وبعيدا عن نتائجها التي تمثل هزيمة ً مظفرة ً للمنتصر .. ألا يجب علينا أن نناقش الروح التي اطلعت بها الشخصية العربية في هذا الوقت لكتابة هذه العبارة الداعية لاستمرار القتال .. والتي نراها متجذرة ً إلى الآن في خطاب ٍ قتالي رغم مرور ما يزيد عن ألف ٍ وسبع مئة سنة من إطلاق هذه العبارة الأولى؟ ..
وإلا كيف نستطيع ُ أن نفسر َ الحروب التي تدور بين الدول الجارة رغم ارتباطها برباط الدين والعرق والثقافة .. وكيف نستطيع ُ أن نفسر لأنفسنا عدم رغبة ِ الآخر المعادي افتراضا بالسماح والاعتذار والتنازل .. ونحن لا نمتلك بعدا يدفعنا للسماح والاعتذار والتنازل؟ ..
يروي لنا التاريخ بأن عرب الجزيرة لم يستطيعوا رغم نفوذهم أن يكونوا دولة ً واحدة ً شاملة ً كما فعل عرب الشمال في الغساسنة والمناذرة وعرب الجنوب في الدولة الحميرية والسبئية والمعينية .. وذلك لأن المفهوم القبلي المستشري كان يقود كل قبيلة ٍ للتناضل من أجل أن تكون هي القائد لرغبتها في الفتك بالآخر .. أما دولة ( كندة ) التي ينقل لنا التاريخ وجودها في وسط الجزيرة العربية .. فقد تكونت بعد أن آمن عرب الجزيرة بعدم تمكنهم من قيادة أنفسهم أو عدم قبولهم بأن يكون أحد ٌ منهم قائدا للآخر .. فاستعانوا بعرب الجنوب بأن نصبوا منهم ملوكا وأمراء على القبائل فتكونت هذه الدولة ..
وبقراءة معاصرة ٍ لتكون هذه الدولة نستطيع ُ أن نقول بأن ما جرى هناك يشبه إلى حد ٍّ بعيد ٍ ( الانتداب , الاحتلال ) وهو ما زال حاضرا إلى الآن في المنطقة العربية .. فالتدخل الأجنبي ودعوة نفس الدول لهذا التدخل هو القائم حتى في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ..
هل من سبب ٍ واضح وراء كل ذلك ..؟
هل عجزت هذه الدول من أن تدير ملفاتها بنفسها ..؟
فإن وجدنا مبررا لذلك في زمن يدعى بالجاهلي .. فما مبرر وجود نفس التخبط والرغبة في التدخل الأجنبي والصوت العالي الذي يصل للعالم بأن هناك من يظلم في هذه البقاع الحزينة ..؟
أظن ُّ بأن السبب في ذلك هو الشعار القديم الذي مازال يرن ُّ في رأس ساكن هذه المنطقة من كل الأعراق والذي سمعه عبر الزمن في صرخة كليب بن ربيعة وقرأه على الصخرة التي حملت احمرار دمه وهو يقول : ( لا صــُـلح ) ..
فهل ستقوى المنطقة على محو الـ ( لا ) من أمام هذه العبارة .. وهل سنستطيع ُ من أن نبتكر قيادة ً مسامحة لا تمثل دور الضحية التي تسعى للانتقام حال تبادل الأدوار ؟
هذا ملاذنا الوحيد لكي لا نستعين بقوم ٍ آخرين ينتدبون أحوالنا للنهوض .

.

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*