كذبة نظرية المؤامرة ( باسل محمد

برهنت تجارب حكم الانظمة الدكتاتورية في العالم العربي ان الحديث عن نظرية المؤامرة من الخارج استخدم لتحقيق هدفين حيويين للنظام الدكتاتوري الاول، البطش بالمعارضة السياسية الداخلية التي تريد انتخابات تعددية او اصلاحات او شفافية في طريقة الحكم. و الثاني، المبالغة في تمجيد الدكتاتور ونحت تماثيل له في الشوارع الرئيسية في المدن الكبيرة كما حصل مع صدام حسين في العراق و معمر القذافي في ليبيا و بشار الاسد في سورية.
بالنسبة لموضوع اسرائيل ومشروع المؤامرة الصهيونية بالتحديد، كان هدف الدكتاتوريات العربية من اثارة هذا الملف هو صياغة قناعات لدى الرأي العام ان هذه الدكتاتوريات هي انظمة وطنية بدليل استهدافها من قبل الد اعداء العرب وهي اسرائيل وبالتالي ساهمت هذه القناعات الى حد كبير في عزوف المواطنين عن تفهم مطالب المعارضة الداخلية او دعمها او الانضمام اليها على اعتبار ان مواجهتها مع الدكتاتور تصب في مصلحة المشروع الصهيوني!.
اسوأ من ذلك، ان بعض المعارضات العربية الوطنية التي ناضلت من اجل المزيد من الحريات و التنمية الاقتصادية واجهت اتهامات من الشارع بالخيانة و العمالة لأنها تثير صراعات و معارك تشغل الانظمة الدكتاتورية عن معركتها المركزية المفترضة ضد الكيان الصهيوني ما اثار انطباعاً عاماً ان الدكتاتوريات مشغولة ليلاً و نهاراً في التخطيط لمواجهة اسرائيل وان الدكتاتور يقضي كل وقته على جبهات القتال ضد جيش الاحتلال الاسرائيلي!. بشكل خبيث، نجحت الدكتاتوريات العربية في زمن ما وفي ظرف ما و مع اجيال عربية ما في تمرير نظرية المؤامرة الخارجية وسمح ذلك بشكل جوهري و اساسي بالمبالغة في تأسيس الاجهزة القمعية و  تسليح القوات الامنية و الجيوش بحجة الاستعداد لقتال المشروع الصهيوني و تدميره.
من اهم ايجابيات ربيع ثورات الحرية العربية، انه برهن ان هذه الاجهزة القمعية و الجيوش و السلاح كانت مخصصة ومعدة  لمواجهة تحركات شعبية او تمرد ما  ضد الدكتاتور  وان ستراتيجية بناء القوات المسلحة كانت موجهة لحماية السلطة لا حماية الوطن و الحدود.
كما ان من اعظم دلالات هذا الربيع العربي الديمقراطي انه اوضح بصورة علمية طبيعة المؤامرة وتفاصيلها وطرفها بل بطلها الحقيقي، بمعنى آخر اثبت هذا الربيع ان الدكتاتور كان يمثل اخطر مؤامرة على الوطن و الشعب لأسباب في صدارتها ان الدكتاتور كان ينفق جزءاً كبيراً من الاموال العامة على تعزيز امنه الشخصي، كما ان قسماً مهماً من المال العام ذهب الى شركات و مشاريع تابعة لأقرباء و مقربين من الدكتاتور.. وعلى مستوى التنمية فقد اشارت المعلومات الموثقة الى ان حكم الدكتاتور انتج طبقةً فاحشة الثراء في مقابل طبقة اجتماعية فاحشة الفقر .. وفي ظل عمليات القمع المتواصلة ضد المعارضين اصبحت الجبهة الداخلية مهزوزةً و ضعيفةً و مفتوحةً على صراعات اكثر دموية بسبب احكام السجن الارتجالية ومن دون محاكمات عادلة و الاعتقالات العشوائية و الاعدامات، كما ان معدلات البطالة ازدادت ضراوةً  بين فئات الشباب في ظل غياب اي مشروع نهضة صناعي و زراعي و علمي فعال.
بصراحة،  الكثير من الرأي العام العربي اصيب بصدمة لأنه اكتشف حقيقتين بفضل ربيع ثورات الحرية  الاولى، ان الدكتاتور هو من تآمر على الوطن و الشعب  وقد قتل من مواطنيه اكثر مما قتل من الاسرائيليين. والثانية ان كل ما قام به الدكتاتور من استنزاف للموارد و عمليات القمع الداخلية ادت الى تقوية اسرائيل وتعزيز هيمنتها و قوتها اي ان حقبة الانظمة الدكتاتورية العربية اجهزت على الامكانيات و القدرات الاقتصادية و البشرية لخوض الصراع العربي الاسرائيلي.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*