كثرة الأحزاب وقلة مشاريع الإنقاذ ( كريم عبد

لا يزال انتصار الثورات العربية في بعض البلدان وتصاعدها في بلدان عربية أخرى، وكأنه حلم مباغت، حلم طال انتظاره وإذا به يحل فجأة دون أن نكون مهيأين لاستقباله كما يجب.
وإذا كانت الثورة الشعبية قد تمكنت من اسقاط النظام في بعض البلدان، فإن ذلك بطبيعة الحال هو نصف الطريق، ويبقى النصف الثاني هو الأصعب، أي بناء دولة القانون والنظام الديمقراطي.
إن شعوبنا التي عاشت في ظل القهر والاستبداد هي فعلاً بحاجة إلى فترة نقاهة نفسية وثقافية لكي تؤسس لتبادل الثقة بين الأطراف السياسية المختلفة، والمساهمة بخلق مواطن مُشارك، أي مستعد لقبول الآخر المختلف كي يسلم الجميع بأهم أسس الديمقراطية، وهو التبادل السلمي للسلطة. إن الإدمان على ثقافة العبودية والاستبداد لأكثر من خمسين سنة، وشيوع حالات الإحباط واليأس حتى عند المعارضين، جعل من الصعب علينا الإنتقال إلى لغة أخرى تنسجم مع هجوم الأمل المباغت القادم إلينا مع انتصار الثورات السلمية في تونس ومصر وليبيا التي بدأت ثورتها سلمية واضطرت لحمل السلاح لمواجهة مشروع الابادة الذي باشره نظام القذافي منذ الأسابيع الأولى. الثورة الليبية التي زادت الأمل يقيناً بما سطرته من بطولات واختراق حقيقي للمستحيل.
هذه الثورات العظيمة التي أنقذت أرواحنا وثقافتنا من الوحشة والإنكسار المزمن، هي بحاجة  لمواكبة فكرية ومشاريع سياسية شجاعة واستثنائية من قبل الأحزاب والجهات المعنية حتى تستطيع التواصل المنتج والفعال لكي تجعل للتضحيات الرهيبة التي قدمتها هذه الشعوب معنى وأفقاً مستقبلياً يجعلنا أحزاباً وجمهوراً جديرين بها، أي جديرين وقادرين على صناعة مستقبل تستحقه الأجيال الحالية والقادمة.إن الخمسين سنة الماضية شهدت في معظم بلدان العالم أهم وأخطر التطورات العلمية والتقنية والسياسية والحقوقية في تاريخ الإنسانية، أي على العكس مما دار ويدور في بلداننا، وعليه فإن أول مهام الجهات السياسية في البلدان الثلاثة هي أن تُخرج شعوبها إلى فضاء العالم الواسع، أي أن تبدأ من حيث انتهى الآخرون لا أن تكرر أخطاء الخمسينيات والستينيات العربية حيث حلّت المؤامرات والانقلابات محل مشاريع الإنقاذ!!
إن الحديث الواسع والمشاريع التي تناقش الآن في مصر على الصعيدين الرسمي والأكاديمي عن نهضة في التعليم العالي والمهني يجب أن يقترن بمشاريع إعادة بناء الثقافة الحقوقية للدولة والبنى التحتية التي تهيئ لنهوض زراعي وصناعي شامل كي يتوازى المشروعان ليعيدا للمجتمع المصري ثقته بنفسه وبامكانياته الخلاقة، أي أن تكون هناك جدوى ومردودات اقتصادية مباشرة من مشروع النهوض بالتعليم حتى لا تعود بلداننا مراكز أكاديمية لتخريج الكفاءات العلمية وتصديرها إلى الغرب أو تركها تتثاءب في دوائر الدولة غير المنتجة. لكن هذا يستوجب إدراكاً سياسياً متقدماً عند النخب التي تتهيأ لخوض الإنتخابات وتأسيس دستور وحياة سياسية جديدة.
لا تستطيع هذه القوى تحقيق طموحات المجتمع ما لم تدرك الوضع الخاص لمصر، وضع إعادة بناء المفاهيم السياسية، وأولها تهيئة الظروف والقوانين لبناء مؤسسات الدولة المحايدة، أي المؤسسات الأمنية والمؤسسات الخدمية، لا سيما أن الجيش المصري قطع شوطاً معقولاً على صعيد مهنية واستقلالية المؤسسة العسكرية، فالجميع يدرك الآن حقيقة ان زج الجيش في السياسة سيؤدي إلى الإضرار بالدولة والجيش والمجتمع كما أكدت التجربة المصرية وسواها سابقاً إن بناء مؤسسات الدولة المحايدة هو أساس كل تطور تاريخي حقيقي ومضمون.
وإذا كان لا بد من الدخول في التفاصيل الضرورية، نجد إن من حقنا كمتابعين، أن نستغرب من كثرة (الانقسامات) في الحياة السياسية المصرية وخصوصاً كثرة الأحزاب والتنظيمات التي ظهرت بعد انتصار الثورة ! ما معنى وجود أكثر من مائة حزب وتنظيم لم تستطع لحتى الآن إيجاد قواسم مشتركة فيما بينها لكي تتوحد في ثلاث أو أربعة كتل سياسية كبيرة؟! إن المنطق السياسي يقول إن كل حزب يمثل طبقة معينة أو مجموعة فئات متقاربة طبقياً، وهذا ما هو حاصل في الدول الديمقراطية المتقدمة حيث الأحزاب الأساسية التي تتنافس في الانتخابات لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد الواحدة. والسؤال المطروح على المصريين الآن هو: كم طبقة وفئة اجتماعية في مصر لكي يكون لدينا هذا العدد الكبير من الأحزاب ؟ هذا السؤال ينبغي أن تجيب عليه جميع  التنظيمات المصرية الحريصة على التطور السياسي السلمي المضمون العواقب.
فالمطلوب هو خلق مناخ سياسي مسؤول يدفع بالأحزاب الصغيرة الجديدة أن تفكر بمخرج واقعي لتشتتها غير المفيد هذا، مناخ يدفع بها إلى التوحّد على مبادىء وأهداف وطنية. إن شروط تحقيق النظام الديمقراطي ودولة القانون هي: التبادل السلمي للسلطة، واستقلال القضاء، والحريات العامة، والحريات الفردية.
وهذا ما تنادي به أغلبية التنظيمات الجديدة والسابقة فلماذا كل هذا التشتت إذن؟ هل السياسة تجارة أم مسؤولية وطنية؟ وإذا أردنا أن نجعل من مصر دول متقدمة كاليابان أو سويسرا أو بريطانيا، علينا أن نتساءل: ما هو عدد الأحزاب الفاعلة المتنافسة ديمقراطياً في كل من تلك الدول؟
وبما إننا بصدد التأسيس لدولة حديثة ومتحضرة على أنقاض دولة الفساد والاستبداد، يكون بوسعنا التساؤل أيضاً: إليس بإمكان السادة عمرو موسى ومحمد البرادعي وعبد الله الأشعل وأحمد زويل أن يتفقوا على تشكيل فريق سياسي موحد وبرنامج انتخابي يفتح الباب لأية جهة تقتنع به ؟  فلو تحقق ذلك وهو ممكن وضروري إذ لا توجد اختلافات كبيرة بين البرامج التي طرحتها هذه الشخصيات عبر ندواتها ولقاءاتها العامة، فإن ذلك سيعطي دفعة نوعية للحياة السياسية خصوصاً وإن هذه الشخصيات لها مصداقية ومؤيدون كثر خصوصاً في أوساط التنظيمات الجديدة. إن مبادرة كهذه ستدفع بالقوى والتنظيمات الكثيرة الأخرى للتوحّد ما يجعل الحياة السياسية أكثر تمركزاً ووضوحاً.
إن وضع المصالح الوطنية والأهداف الأساسية للنظام الديمقراطي فوق المصالح الحزبية والشخصية هو الذي سيحمي الجميع من العودة إلى مغبة التشتت والتناحر. وإذا كانت نزعة الإنفراد بالسلطة والهيمنة على الدولة والمجتمع عند الأحزاب الآيديولوجية قد سقطت مع سقوط أنظمة الاستبداد، فإن البدء بالمشروع الديمقراطي لا بدَّ له من بيئة سياسية ملائمة، مختلفة عن بيئة الماضي، وعليه فإن نظرة الأحزاب اليسارية والعلمانية والدينية إلى نفسها وإلى بعضها البعض الآخر، يجب أن تتغير لكي يسهم الجميع في خلق البيئة الملائمة للمشروع الجديدة.
وباختصار فإن على جميع الأحزاب والجماعات السياسية أن تطور ثقافتها التنظيمية بما يجعلها قادرة على المساهمة في خلق البيئة الديمقراطية انطلاقاً من مسؤوليتها الوطنية في إنقاذ مصر مما هي فيه. وإذا كانت تونس وليبيا تعانيان من حيث الجوهر من نفس المشكلة المصرية، فإن ما تحتاجه الشعوب العربية عموماً، هو النموذج الديمقراطي الفعلي الذي يبدو ممكناً في مصر أكثر من سواها، إن مستقبل التغيير في البلدان العربية يرتبط بدرجة مؤثرة بنتائج التجربة المصرية، أي بناء دولة القانون والنظام الديمقراطي، وهنا تكمن الريادة الحضارية حقاً.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*