قوانين نافذة ومخالفة للدستور / بقلم : القاضي زهير كاظم عبود

بعد صدور الدستور العراقي عام 2005 اصبحت السلطات الاتحادية تتكون من ثلاث، هي السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، وان السلطة القضائية مستقلة، ولاسلطان على القضاء لغير القانون، كما لا يجوز لأية سلطة التدخل في القضاء او شؤون العدالة، ونص الدستور العراقي ايضا على ان لا تحصين لأي عمل أو قرار اداري من الطعن.
هذه الضوابط والأرضية الأساسية التي صار العمل بها الزاميا ، ونص الدستور ايضا  على ان لا يجوز سن قانون يتعارض مع الدستور ويعد باطلا كل نص في دساتير الاقاليم او اي نص قانوني آخر يتعارض مع الدستور .
ولأن  القواعد الدستورية تتميز بالسمو والعلو على بقية القواعد القانونية ، حيث تكون القوانين خاضعة للنصوص الدستورية، ولايمكن ان تكون الا منسجمة مع ما ورد فيها من نصوص، ثم تأتي  الأنظمة والأوامر الصادرة من السلطة التنفيذية ومن بعدها التعليمات، غير انها جميعها يمنع تحصينها بأي شكل من الأشكال، حتى يمكن ان تخضع للتدقيق والتمحيص من جهات عدة تحقيقا للعدالة. وبالتالي فأن كل نص قانوني أو تعليمات صادرة من أية جهة تنفيذية مهما علت ليس فقط خاضعة لطرق الطعن الاصولية التي نظمتها القوانين، وانما تخضع الى مبدأ شرعية القوانين من حيث مطابقتها للدستور، وأن أية مخالفة للنصوص الدستورية توجب انعدام النص القانوني وإبطاله وعدم شرعيته حتى وإن كان صادرا من السلطة التشريعية، ولا يكون له أثر قانوني منتج.
ووفق هذا الإطار الدستوري ينبغي أن تصدر القوانين، وهو ما يوجب الالتزام به من قبل مجلس النواب وجميع الجهات التي تساهم في كتابة القوانين النافذة، ولأن السلطة القضائية مختصة لوحدها من خلال القضاة في المحاكم التطبيقات القانونية واصدار الاحكام، ولايمكن لأية جهة التدخل في مجال عملها او استلاب جزء منه او التدخل في عمل القضاء او شؤون العدالة، مما يعني أن كل عمل من اعمال السلطة التنفيذية يستلب اختصاص القضاء لايعد عملا مشروعا وليس له سند من الدستور.
كانت القوانين في زمن السلطة السابقة تصدر مخالفة للدستور، ولعدم وجود جهة يمكن اللجوء اليها لإبطال تلك القرارات والقوانين، فأنها كانت نافذة رغم بطلانها، كما كانت تلك القرارات والقوانين تستلب عمل القضاء وتمنح السلطات القضائية لموظفين في السلطة التنفيذية، وكانت غالبا ما تمنح مدراء النواحي والقائم مقامين والمحافظين والوزراء سلطة قاضي جنح  أو قاضي تحقيق وتجعل قراراتهم باتة لا يمكن الطعن بها أمام أية جهة.
ومثال على ذلك ما منحه القانون(12 لسنة 1995) قانون صيانة شبكات الري والبزل ضمن المادة(11 ) حيث خول مدير عام الهيئة ومديري الري في المحافظات سلطة قاضي جنح لفرض الغرامة وعند وجود ما يستوجب العقوبة فله توقيف المواطن واحالته على المحكمة المختصة، وجعل الطعن في هذا القرار امام وكيل وزارة الري وعضوية المدير العام  الفني في الوزارة واعتبر التقرير المقدم من الموظف المختص دليلا كافيا لاثبات المخالفة.
في العام 2006 وبعد صدور الدستور العراقي أستمرت العديد من القوانين التي تصدر خلافا لأحكام ومبادئ الدستور، وبالرغم من بطلان هذه القوانين الا ان العمل يستمر بها حتى اليوم، مثال القانون رقم( 5 ) لسنة 2006 الصادر بتاريخ 12 /3 /2006 والمنشور بجريدة الوقائع العراقية بالعدد 4021 ( قانون حماية المقابر الجماعية).
نص هذا القانون بموجب نص المادة ( 6 ) منه على تشكيل لجنة برئاسة ممثل عن الوزارة (موظف تنفيذي ) ، وعضوية قاض يسميه رئيس محكمة استئناف المنطقة ، بالإضافة الى عضو الادعاء العام ( وهو قاض أيضا ) تسميه دائرة المدعي العام، وعدد من الموظفين، وهذه  اللجنة التنفيذية جعلت القضاة اعضاء فيها وقرارتها تخضع للطعن امام محكمة الاحوال الشخصية في المنطقة كما لو كانت عملا قضائيا ، ودون ملاحظة الخلط والجهة التنفيذية التي ترأس هذه اللجنة غير المنسجمة مع الدستور، وفوق كل هذا فأن المادة  15 ) منحت رئيس اللجنة (الموظف التنفيذي ) والقاضي ونائب المدعي العام (السلطات الممنوحة للمحقق ) المنصوص عليها في قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل للتحقيق في الجرائم .
ان القاضي يشرف على عمل المحقق وفقا لأحكام المادة ( 51 ) من قانون اصول المحاكمات، فكيف يتم منح القاضي سلطة محقق !!
القانون رقم( 17 ) لسنة 2010 الصادر بتاريخ 15 /2 /2010، ( قانون حماية الحيوانات البرية )، والمنشور بجريدة الوقائع العراقية رقم 4148، نص في المادة ( 10 ) منه على منح القائم مقام ومدير الناحية سلطة قاضي جنح لفرض العقوبات المنصوص عليها في القانون، ولاسلطان على قرار وحكم  القائم مقام أو مدير الناحية، ولاتوجد جهة يمكن لها ان تدقق عدالة هذا القرار ومطابقته للقانون بالرغم من مخالفته للدستور.
ان تحصين القرار الصادر من موظف تنفيذي يشكل مخالفة صريحة وكبيرة للدستور باسم القانون، وهذا التوجه يجعلنا نشعر اننا بحاجة لضمانات أخرى حتى يمكن كفالة حقوق المواطن التي جاء بها الدستور العراقي.
أن الإصرار على مبدأ التدخل في الشأن القضائي ينم أما عن عدم معرفة بالنصوص الدستورية والمبادئ التي جاء بها الدستور، أو إصرار على رغبة السلطة التنفيذية في مشاركة القضاء اختصاصه المنصوص عليه في الدستور والقوانين، وسلبه استقلاليته وتدخلا في شؤون العدالة، وعودة الى الأيام السابقة حين كان للمحافظ  والقائم مقام ومدير الناحية يمارس الحجز والحبس بجرة قلم أو بأمر شفوي دون ان يسأل احد عن السبب !!
هذا الخرق الفاضح الذي يحصل اليوم في العراق بحاجة لجهة تراقب هذه القوانين التي يتم تغييب السلطة القضائية عنها، فتصدر دون علمها ومشاركتها، هذه القوانين المخالفة للدستور نافذة ويتم العمل بها بعد نشرها في الجريدة الرسمية، ونهيب بمؤسسات المجتمع المدني والمنظمات القانونية والحقوقيين مراقبة وتدقيق القوانين النافذة التي تصدر ويتم نشرها في الجريدة الرسمية، حتى يمكن الطعن بها وإبطالها أمام المحكمة الاتحادية العليا حيث تمارس دور الرقابة على دستورية القوانين والانظمة النافذة.
أن حماية الدستور ليس فقط من مهمات المحكمة الاتحادية العليا فقط ، بل هي مهمة وطنية تتعلق في حقوق المواطن، وتحقيق مشروعية القوانين الصادرة من خلال الرقابة على دستورية القوانين وهي مهمة تعد أهم من عملية كتابة  الدستور و إقراره ، وقضية الرقابة على دستورية القوانين لا تتعلق فقط بالقوانين التي تقدمها السلطة التنفيذية لتسهيل عملها ومهمتها التنفيذية ، بل ان المبادئ العامة لحقوق الأنسان والحريات الأساسية التي ينبغي ان لا تخالفها القوانين ، بالإضافة الى الاتفاقيات الدولية النافذة والموقع عليها من قبل العراق والمصادق عليها من مجلس النواب ، حيث تصبح قانونا وطنيا ملزما (كمعاهدة سيداو على سبيل المثال لا الحصر)، جميعها تشكل ضمانة أكيدة لبناء مجتمع ديمقراطي مؤسس على الشرعية القانونية.
و يشدد فقهاء القانون الدستوري على أهمية مبدأ الرقابة على دستورية القوانين، لذلك يلاحظ أن الدستور العراقي نص ضمن الفقرة أولا من المادة( 13) منه على ان هذا الدستور يعد القانون الاسمى والاعلى في العراق، ويكون ملزما في انحائه كافة وبدون استثناء ، كما نص في الفقرة( ثانيا) من نفس المادة على انه لا يجوز سن قانون يتعارض مع هذا الدستور .
وللأسف لم تزل القوانين تتوالى على مجلس النواب وهي تتضمن نصوصا ملغية وسلطات محجوبة عن السلطة التنفيذية يمكن تمريرها واقرارها بقوانين باطلة لا قيمة لها لتعارضها مع الدستور، وسواء نص الدستور على البطلان او لم ينص فأن هذه القوانين باطلة لاقيمة لنصوصها المخالفة للدستور.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*