قمة بغداد وامتحان دبلوماسيتنا / بقلم : القاضي ناصرعمران الموسوي

لم يزل كل شيء هادئاً،في خضم محيط عربي ساخن، يبدو الأمر غريبا وأنت تحاول جمع فرقاء في محيط واحد، قمة بغداد التي تأجلت على أمل أن يهدأ الربيع العربي من عنفوانه،لكنه يأبى الا أن يكون كعهده احمر قانيا ً وأشد سخونة، هي معادلة غير متيسرة، بين (كونكريت) حكومي يتشبث بالسلطة وبين مد شعبي ساهمت قوى الخارج في دعم ظهوره وبين بلد كان القبلة التي وصلت نحوها الاتجاهات الديمقراطية والقومية فإذا به ينفض غباره عن رؤية انتخابية لم يعهدها، الكل العربي يعيش حالة مخاض إصلاحا ً وثورات،وحين تأتي قمة بغداد لتجمع كل ذلك،ضمن رؤى عربية فان  المحصلة ستكون:اولا :المحصلات المهمة في انعقاد القمة أنها ستؤشر نجاحا غير مسبوق للدبلوماسية الخارجية العراقية التي نضجت بشكل كبير جدا ً ولعل مواقفها الأخيرة منذ احداث سوريا وانتهاء ً بإعادة العلاقات العربية  مع الكثير من الدول وبخاصة العربية السعودية،والدعوة لتواجد ممثليات دبلوماسية عربية في بغداد  إضافة الى تفرد بغداد باتساق مكاني وزماني للعب دور محوري مهم في القضايا العربية، بعد أن تشافت من علل الإرهاب ونفضت عن اردانها عوالق مراحل مهمة اتسمت بالرؤية الضيقة والدكتاتوريات التسلطية والنفس الايديولوجي الطائفي والقومي، وبدأت تتنفس مناخاتها الديمقراطية بعافية كبيرة.
ثانيا : بغداد اليوم قبلة العرب الجديدة التي  تنهض  من جديد كطائر أسطوري، تعول عليها الشعوب العربية كثيراً، فالعراق البلد الديمقراطي صاحب التجربة الأولى التي هيأت لظهور الربيع العربي، له تجربته في النضج الديمقراطي ولو بشكل نسبي ويمكنه تصديره للدول العربية الأخرى وكلنا رأى أن هناك أعرافاً دستورية استلهمتها البرلمانات العربية بعد التغيير  من التجربة العراقية، يضاف إلى ذلك تجربة العراق السباقة في دحر الإرهاب والقضاء على تنظيمات القاعدة الإرهابية، كل هذه الاسباب تجعل دول التغيير العربي بحاجة إلى التجربة العراقية القليلة بعمرها الزمني الكبيرة بتجربتها التي لم تكن نزهة مجانية بل كانت تجربة قرينة بالألم والدم والدموع.
ثالثا ً:  ان الموقع الستراتيجي للعراق كمحور مهم يربط بين أقطاب الصراع الإقليمي التركي والإيراني والأميركي إضافة إلى العربي، والعراق العربي  في قلب المنطقة (الجيو سياسية) ويمكن له لعب دور كبير ومحوري بين الإطراف جميعا، فيمكن للعراق أن يكون مطمئنا ً للجانب الخليجي ومعززا ً وداعما للعلاقات الإيرانية بدول الخليج  على اساس البعد الاسلامي والاقليمي والمصالح المشتركة، ويمكن له ايضا ً لعب دور كبير في الملف النووي الإيراني عبر دوره الستراتيجي بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران بحسب ارتباطاته الوثيقة بين الطرفين وهو طرف مرغوب به  من الجميع بالرغم من حدة الخلافات السياسية، وعلى المستوى العربي فان العراق يمكن ان يكون له دور كبير في حل القضية السورية وبشكل سلمي وحوار بناء بين المعارضة والحكومة لو تهيأ له دعم عربي ودولي  من قبل الجامعة العربية وهيئة الأمم المتحدة، و العراق القوة الاقتصادية الهائلة ومنطقة الجذب الاستثماري للاستثمارات الأوروبية والصينية والروسية وما يتبعه من تحقيق اقتصاد قوي لا يمكن أن يكون بعيدا ً عن دعم القضايا العربية وبخاصة القضية الفلسطينية وسعيها الحثيث لإقامة دولتها المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. العراق الذي يحتفظ بكل عناصر القوة الكامنة هو نقطة ربط مهمة للخليج باتجاه أوروبا عن طريق تركيا بشبكات نقل هائلة لو تهيأت له الظروف السياسية المواتية.
إن قمة بغداد ليست حدثا ً عابرا ً ينتهي بخطب حماسية كدأب القمم الأخرى، إنها قمة العهد العربي الجديد المتشح بجلباب الإصلاح والديمقراطية، ولعل أولى حركات الإصلاح هي إعادة هيكلية الجامعة العربية كتشكيل إقليمي عربي سيكون له دور فعال ليس في القضايا العربية فحسب وإنما أيضا في القضايا الإقليمية والعالمية،وربما ستتمخض القمة عن ولادة رؤية ستراتيجية عربية للدفاع المشترك وتشكيل قوة عربية للسلام ومحكمة عدل عربية  وغيرها من القضايا الأخرى، وتفعيل كبير للوائح حقوق الإنسان العربية والإسلامية واتفاقيات تسليم المجرمين على غرار اتفاقية الرياض، إن الأمل معقود بشكل كبير في ان تكون قمة بغداد ربيع القمم العربية ومنعطفا مهما في تاريخها المعاصر، وبغداد كعهدها قلعة الوله العربي وحاضرته الثقافية والاقتصادية، كلنا أمل مع كل الشعوب العربية  بان تكون قمة بغداد المؤشر الأهم في دعم السلام والعلاقات العربية القائمة على الروابط المتينة بين الدول العربية متمنين ان تكون نجاحا عراقيا دبلوماسيا عربيا  بامتياز.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

مقالات سياسية عراقية
مقالات القاضي ناصر عمران الموسوي
الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*