قمة بغداد .. ما نريد وما يراد منا ( عبد الرضا الجاسم

في خضم تسونامي الثورات الذي ضرب المنطقة ، لن نعاني كثيرا في إيجاد ما نعتذر به لأنظمتنا العربية،  فلكل نظام شأن يغنيه، ويكفيهم  هذا الأرق المتربص على الأبواب ، يعد عليهم الأنفاس ، ويدس عينيه المفتوحتين على مصراعيهما  بين سطور أبرموها منذ عقود ، وظنوا أن أزمنة المراجعة ليست من مختصات منطقتنا العربية ، وشهدت لهم بذلك ــ زورا ًـ قافلة طويلة من عقود الصمت واجترار الأساطير، لكن البوعزيزي قلب الطاولة على رؤوس الجميع ، وفعل ما لم تفعله أعتى مشاريع التبشير بالديمقراطية وأخواتها، وكانت ناره أكثر إشعالا للنفوس والعزائم، من محاولات أمريكا ودول أوربا في تغيير المنطقة ، حين أحرق جميع المراحل ، ولامس مباشرة أعمق منطقة في النفس البشرية، حيث الجذوة التي لا تطفئها سلطة الخوف، ولا تسويف السياسة 
من أجل ذلك، وفي هذا الجو المشحون، علينا أن نـستحضر كل ممكنات السياسة ، في التعاطي مع الوضع العربي الراهن، وإحلال منطق المصالح الستراتيجية، محل الانفعالات المرهونة بمسبباتها الآنية
إن ردود الأفعال العربية الأخيرة، وتحديدا، الخليجية منها ، مناسبة جيدة للمناقشة وإثراء الوضع العراقي الجديد، بآليات عمل تحقق له التوازن بين مصالحه من جهة ، وبين مواقفه الإنسانية مما يجري، من جهة أخرى
لقد كنا ، وما زلنا ، نعول كثيرا على عقد القمة العربية في بغداد ، ليس لأن تاريخ القمم العربية مزحوم بالنجاحات الباهرة، بل لإعادة العراق إلى محيطه، ووضعه على خريطة المصالح المشتركة للمنطقة، وإخراج العراق من نفق المشاكل التي خلفها النظام السابق، بإصلاح ما فسد من مقومات الثقة في علاقته من دول الجوار العربي، عن طريق إعادة بنائها على أسس المشتركات، وماتستبطنه من ثوابت كثيرة لا يمكن التنصل منها، لأنها ليست نتاجا لقرار سياسي أو رغبة  فردية، بل هي ثوابت خلقتها عوامل تاريخية وجغرافية وثقافية وروابط  غير قابلة للتغيير، حتى  في حالة الرغبة بذلك ، ويقف ظهيرا لذلك كله، منطق المصالح المتبادلة بطيفها الواسع الذي يتسع لجميع الخصوصيات الفرعية، مع ثوابت الاحترام وعدم التدخل في الشأن الداخلي، والأهم ، هو الاعتراف بعمليته السياسية، والتعامل مع مخرجاتها بجدية توازي كونها خيارا للشعب العراقي ، الأمر الذي يمنحها شرعية في تمثيل شعبها تفوق مثيلاتها في أغلب دول المنطقة، كما يطمح العراق بأن يكون للدول العربية، دور في استقراره الأمني، فليس خافيا على أحد ما يمكن أن تلعبه هذه الدول، في تجفيف منابع التطرف وبؤر تجنيد الإرهابيين، وسد ثغرات التسلل إلى العراق، وملاحقة مصادر تمويل الإرهاب، ومحاربة فتاوى التكفير والتضليل التي تعطيه غطاء شرعيا، وتمنحه مقبولية لدى كثير من الشباب المتحمس، والكف عن الحملات الإعلامية المحرضة حينا،
والمشككة حينا آخر، بكل ما يتعلق بالعراق وعمليته السياسية، وبالمقابل، يمكن لبلد مثل العراق، بكل ما فيه من إمكانات، أن يكون ثقلا موازنا لا غنى عنه في منظومة الأمن الإقليمية عموما، والعربية على وجه الخصوص، كما يحتاج العراق إلى عمقه العربي لتقوية موقفه الإقليمي، في قضايا تتعلق بضمان حقوقه مع جيرانه الآخرين، كالحقوق المائية مثلا
ولا يخفى الثقل الاقتصادي العالمي لدول الخليج، الأمر الذي يؤهلها لأن تكون لاعبا لا يستهان  به، ويعزز وجهة النظر الداعية إلى تقوية الشراكة معها على كافة الصعد 
وبالعودة إلى ردود الفعل الخليجية الأخيرة، نستطيع قراءتها قراءة صحيحة، بوصفها رسالة تخبرنا بما يريده العرب منا، في مقابل ما نريده نحن، فليس سراً أن الأنظمة العربية في صورتها الغالبة، والخليجية منها على وجه الخصوص، ليست أنظمة قائمة على مبدأ الانتخابات، الأمر الذي خلق حساسية عالية لدى هذه الأنظمة ، من وجود صورة مخالفة للسائد في المنطقة،  ومبعث قلقها، أن يتحول الوضع العراقي إلى محرض إقليمي، بين أظهرها، يبعث في شعوبها شهية المطالبة بحرية الاختيار وتداول السلطة ، وإلغاء آلية التوريث المستحكمة، حتى في الأنظمة غير الملكية، فضلا عن  العامل الطائفي الذي يضرب على وتر المخاوف حينا، والعواطف حينا آخر
وقد يخلق مواقف مسبقة غير مبنية على مسوغات موضوعية، ما يستوجب التعامل معه بحذر شديد، يهدئ من فورة الاحتقان والمخاوف، وخير شاهد على هذه الحساسية هو موقف دول الخليج من احتجاجات الشعب البحريني، وردة فعلها المتشنجة تجاه تصريحات لا تمثل الموقف الرسمي للحكومة العراقية، لكن الحساسية الخليجية المفرطة تجاه هاتين القضيتين؛ قضية الحكم من جهة، والقضية الطائفية من جهة أخرى،  كانت هي المحرك للمطالبة بإلغاء قمة بغداد، وقطعا، ليس بإمكان العراق أن يكمم الشعوب العربية، لكنه يستطيع أن يطمئن حكوماتها بأنه سيكون جزءا من عوامل الاستقرار، وليس العكس، وكان ممكنا للعراق أن يستثمر ما بيديه من عوامل تأثير ، في لعب دور الوسيط على الساحة البحرينية، والدخول من باب الاحترام الكبير الذي تحمله غالبية الشعب البحريني لمرجعية النجف الأشرف، بما يضمن تحقيق نسبة مقبولة من المطالب الشعبية، ويعيد الاستقرار لهذا البلد ، ليدخل العراق بقوة إلى الساحة الإقليمية، طرفا مؤثرا في خلق الاستقرار، وثقلا يقف بجانب التوازن وليس الاختلال، ومع ذلك، لم يفت الوقت، وتستطيع الخارجية العراقية أن تفهم العرب طبيعة النظام الديمقراطي القائم في العراق ، وأن تصريحات طرف سياسي لا تمثل  بالضرورة الرأي الرسمي للحكومة، خصوصا أن كل طرف سياسي يمثل شريحة ناخبيه في المجتمع ، وعليه أن يعبر عن مواقفهم ، وتلك هي الديمقراطية
إن الحكومات الخليجية بحاجة إلى الطمأنة ، وهي مهمة ليست مستحيلة على الحكومة العراقية، وعلينا أن نعي أن الإرادة الدولية ــ حتى الآن ــ حريصة على بقاء الوضع الخليجي على حاله الراهن، وليس مستعدا لتعريض منابع الطاقة إلى الزعزعة، أو احتمالات قد لا يمكن التحكم بها، ويظهر ذلك جليا من الموقف الأمريكي تجاه أحداث البحرين، وكذلك تقبل المجتمع الدولي للنظم الخليجية بصورتها القائمة، اللهم إلا ّ دعوات خجولة لإصلاحات هنا وهناك ، لكن المزاج الدولي العام ، هو الحفاظ على استقرار المنطقة ، لذلك على العراق أن يجد لنفسه مكانا، يوازي ثقله التاريخي والاقتصادي والحضاري في هذه المنطقة الحساسة ، ولن يكون ذلك ممكنا  قبل دخوله شريكا أساسيا في منظومته الخليجية، وهذا بدوره لن يتحقق ، قبل إعادة الثقة المفقودة ، وزرع الطمأنينة بدل المخاوف ، والمبادرة لدى أية فرصة لإثبات حسن النوايا ، وبذل جهد دبلوماسي أكبر لشرح الوضع العراقي الجديد ، وأنه لن يمثل تهديدا ، لا راهنا ولا مستقبلا ، فإن دول الخليج لم تزل تختزن ذكريات اجتياح الكويت، وهذه الأخيرة لا تخفي مخاوفها من تسليح الجيش العراقي
وقد يتجاوز القلق حدوده الأمنية والسياسية، ليصل إلى مخاوف اقتصادية، وربما نستطيع في ضوء ذلك ، أن نفهم سبب امتناعهم عن إطفاء الديون، وخصوصا ما يتعلق بالكويت، ومسألة التعويضات وغيرها من الأمور العالقة، التي تمثل عائقا أمام خروج العراق من قيود العقوبات الدولية
إن الخروج من كل هذه المشاكل رهين بعودة الثقة، وخلق حزمة من المصالح تربط العراق بمنظومته العربية على جميع المستويات، بما يخلق شراكة حقيقية تبدد المخاوف وتعيد الألفة بين العراق وجسده العربي .
ولا بد من الاعتراف أن نظام المحاصصة نزع من الدور العراقي قوة  التأثير، بوقوفه حائلا دون وجود رأي موحد  تجاه الأحداث المهمة، في مقابل أدوار كبيرة لعبتها دول صغيرة ، مثل قطر، اعتمادا على إمكانات نملك أضعافها .  
يجب أن تكون الخارجية العراقية هي الجهة المخولة في التعامل مع القضايا الدولية، عربية كانت ، أو غير عربية ، مع خلق ثوابت تحكمها المصالح العليا للشعب العراقي ، وجبهة سياسية موحدة بمواجهة الأحداث الخارجية،  والابتعاد عما يثير حساسية دول الإقليم، طالما ليس لنا أية مصلحة في ذلك
ولعل الخطوة الأولى الآن ، هي المبادرة إلى إعادة النوايا العربية ، باتجاه عقد القمة في بغداد ؛ ليس لأننا نتوقع منها المعجزات ، وليس لأن كل ما يريده الأشقاء منا، هو حق وعدل وخير مطلق ، فبعضه لا تعرفه لغة مصالحنا لا من قريب ولا من بعيد، لكن منطق الجغرافيا والانتماء لهما فروضهما، وفي مساحة المشتركات متسع لخلق واقع قابل للتعايش، قد لا تقربنا منه هذه القمة  كثيرا، لكنها ستمثل للعراقيين شهادة على نجاح تجربتهم، واعترافا بثمرة تضحياتهم، الأمر الذي سيضع خاتمة مرحلة، ويخط السطر الأول من مرحلة جديدة

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*