قانون هيئة النزاهة الجديد.. نقد وتحليل / بقلم : القاضي سالم روضان الموسوي

القانون وسيلة اجتماعية يلبي المجتمع من خلالها مطلبه في إشباع حاجاته، سواء كانت في إنشاء منافع أو في معالجة أخطاء، وهذه الغاية السامية للقانون جعلته في قمة الأولويات للشعوب المتمدنة، وفي العراق مثل سائر الأمم انتابنا شعور الغبطة في جعل آلية التشريع من خلال مؤسسة محترفة معبرة عن رأي الأمة ممثلة في مجلس النواب، إلا ان هذه الغبطة سرعان ما اختلط فيها ماء الإحباط فتغير لون وجهها إلى اللون التشاؤمي بعد الاطلاع على نتاجها التشريعي الذي لم يعالج المشاكل بل زاد في تعقيدها، وعلى وفق ما أرى، ما يضطره أحيانا وتحت ضغط الجماهير، إلى إعادة إصدار تشريع آخر للتعديل أو الإلغاء او الإضافة وهو ما زال في بداية تطبيقه، ومن خلال المتابعة لعملية التشريع في العراق علمنا بوجود مشروع ومقترح لقوانين تنظم عمل هيئة النزاهة مقدمة من أكثر من جهة فارتفع حينها مؤشر الفرح في خلدي لأني توقعت بأن يتم تدارك النقص التشريعي في أمر سلطة الإئتلاف المنحلة رقم (55) لسنة 2004 الذي تعمل بموجبه هيئة النزاهة العامة حاليا، وذلك بإضافة النصوص القانونية التي تعن لها الحاجة من خلال ما ظهر عند التطبيق العملي واليومي في عمل الهيئة طيلة الفترة الزمنية الماضية التي تلت تشكيلها، أو من خلال مواكبة التشريعات الحديثة في العالم التي تعالج مشكلة الفساد المالي و الإداري، وبعد مشاهدة وقائع مناقشته والتصويت عليه في مجلس النواب والاطلاع على الأحكام التي وردت فيه وجدت انه لم يكن بمستوى ما كنا نتمنى فيه، ولاحظنا فيه نزوع المشرع العراقي نحو ما كان عليه في السابق من عقيدة بربط المؤسسة او التشكيل في شخص رئيسه وجعله يدور في فلكه وعلى وفق شخصنة القانون، ويخلق مؤسسة تدار من القائم على أمرها ولا تدار بآليات ونسق نظامي يكون الوزير او الرئيس او المدير فيها جزءا من هذه المنظومة النظامية في الإدارة، وهذه العقيدة أدت بدورها إلى إنتاج تشريعات لم تقو على تطبيق الأفكار والمبادئ الدستورية الواردة في الدستور والمصادق عليها من الشعب، ما حال دون مواكبتها لعملية التحول والانتقال نحو مرحلة ما بعد العام 2003 في وجود دولة مؤسسات وليس دولة زعماء وقادة وأمراء، وسأعرض لقانون هيئة النزاهة الجديد الذي صوّت عليه مجلس النواب بجلسته المنعقدة يوم 24 /9 /2011 باعتباره مثالا لما ذكرت في المقدمة لأنه لم يعالج النقص التشريعي في الأمر (55) ولم يتدارك العوار القانوني الذي كان فيه، حيث قام مجلس النواب بنقل حرفي لأغلب نصوص الأمر (55) باستثناء عملية اختيار رئيس الهيئة وإنشاء بعض التشكيلات الإضافية في هيكلها، واللافت للنظر إن مجلس النواب بجميع كتله وأعضائه لم يهتم لمفرداته، إلا في نص المادة (4) التي تتعلق بآلية اختيار وتعيين رئيس الهيئة، التي احتدم الجدل فيها حد التشكيك والاتهام بين الفرقاء، ولم تحظ بقية المواد بذلك الاهتمام، والمفترض بأنها أصل التشريع وغايته، وهذا يثير الظن بأنهم لم يرتقوا إلى التفكير بما ينسجم ومفهوم دولة المؤسسات وإنما بعقيدة القائد والزعيم والرئيس، لذلك سأفرغ الملاحظات على القانون في ما يأتي:ـ
• لم يكن القانون موفقا في رسم آلية اختيار وتعيين رئيس الهيئة المشار إليها في نص المادة (4) والتي جاء فيها الآتي (أـ يشكل مجلس النواب لجنة مؤلفة من (9) أعضاء من لجنة النزاهة والقانونية لاختيار ثلاثة مرشحين لمنصب رئيس الهيئة. ب– يصادق مجلس النواب على أحد المرشحين بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه. ج– رئيس الهيئة بدرجة وزير يعين لمدة خمس سنوات) وذلك لأنه أراد أن يضمن استقلالية الهيئة فإذا به ينقلها من هيئة تحت هيمنة السلطة التنفيذية إلى هيئة موالية للتيارات السياسية في مجلس النواب وعلى وفق الآتي:ـ
* إن فكرة التعيين والاختيار من مجلس النواب لا تنسجم وطبيعة عمله الرقابي والتشريعي لأن التعيين يعد من مفردات العمل التنفيذي ولم يرد في صلاحيات مجلس النواب في الدستور ما يشير إلى ذلك باستثناء الموافقة على التعيينات وهذه تختلف عن التعيين وعلى وفق نص الفقرة (خامسا) من المادة (61) من الدستور النافذ التي جاء فيها (يختص مجلس النواب بما يأتي: خامسا- الموافقة على تعيين كلٍ من:
أ- رئيس وأعضاء محكمة التمييز الاتحادية، و رئيس الادعاء العام، ورئيس هيئة الإشراف القضائي، بالأغلبية المطلقة، بناءً على اقتراح من مجلس القضاء الأعلى.
ب- السفراء وأصحاب الدرجات الخاصة، باقتراح من مجلس الوزراء.
ج- رئيس أركان الجيش، ومعاونيه، ومن هم بمنصب قائد فرقة فما فوق، ورئيس جهاز المخابرات، بناءً على اقتراح من مجلس الوزراء).
لأن صلاحيات مجلس النواب حصرية ولا يجوز العمل بما لم يرد فيه نص في الدستور ويعد ذلك النص قد تقاطع مع ما له من صلاحيات.
• ظهر من خلال النقاش قبل التصويت في مجلس النواب إن هذا النص سيضمن استقلال الهيئة من خلال إبعادها عن السلطة التنفيذية وجعل جميع مفردات عملها مرتبطة بمجلس النواب، وأرى بأنه اعتقاد غير صحيح لأن هيئة النزاهة فيها جوانب عملية تنفيذية وتحقيقية ورقابية مما لا يتفق ومنطق الأمور بربط الجهد التنفيذي بالجانب التشريعي لأنه سيشكل خرقاً للمبدأ الدستوري الفصل بين السلطات في المادة (47) من الدستور.
• أرى بأن الآلية الجديدة فيها مؤشرات خطر على عدم ضمان استقلال الهيئة لأن اللجنة المشكّلة للاختيار تمثل رؤى وتوجهات سياسية تتصارع في الاستحواذ على المواقع المهمة في الدولة من أجل أن يحقق ذلك العضو في اللجنة سياسة حزبه أو فئته التي يمثلها.
•لم يبين النص كيفية الاختيار هل يكون بإعلان للجميع ويتقدم من يتوفر على الشروط وعبر وسائل الإعلام، أم إنها تكون شخصية من أعضاء اللجنة أو ان المجلس هو سيقدم أسماء بواسطة أعضائه وترك الأمر على ما عليه سيتيح فرصة لمنع الآخر من الترشح حتى وان توفر على الشروط.
•إذا ما سلمنا بان آلية التقديم للترشيح سليمة ومنسجمة مع القانون وتقدم أكثر من ثلاثة أشخاص وتم اختيار ثلاثة واستبعاد الآخرين من يضمن ان هذا الاختيار تم وفق معايير مهنية، إذ لم يحدد النص ما هي معايير التفاضل بين المتقدمين.
• لم يحدد النص أي طريق للطعن بقرار اللجنة فإذا ما استبعد أحد المتقدمين ويعتقد بأنه أفضلهم فكيف له أن يطمئن إلى قرار اللجنة إذا لم تكن هناك جهة تنظر في طعنه وتصادق على توصية اللجنة قبل إحالتها إلى المجلس لاختيار أحدهم، وهذا يخل ويتقاطع مع مبدأ المساواة في الفرص والتكافؤ بين المواطنين المشار إليه في ديباجة الدستور التي جاء فيها ( تبني أسلوب التوزيع العادل للثروة، ومنح تكافؤ الفرص للجميع). وكذلك المادة (16) من الدستور التي جاء فيها (تكافؤ الفرص حق مكفول لجميع العراقيين، وتكفل الدولة اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيق ذلك).
* ورد في الفقرة (ثانيا) من المادة (11) إن الأرجحية للهيئة في مباشرة التحقيق في القضايا المتعلقة بالفساد بما فيها التي تحقق فيها السلطات والجهات العسكرية أو قوى الأمن الداخلي وعلى وفق الآتي (يرجح اختصاص الهيئة التحقيقي في (قضايا الفساد) على اختصاص الجهات التحقيقية الأخرى بضمنها الجهات التحقيقية العسكرية والجهات التحقيقية لدى قوى الأمن الداخلي، ويتوجب بتلك الجهات إيداع الأوراق والوثائق والبيانات المتعلقة بالقضية الى هيئة النزاهة متى ما اختارت الهيئة إكمال التحقيق فيها) وهذا النص سيخلق صراعا في الاختصاص القضائي لأن المادة (4) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العسكري رقم (30) لسنة 2007 حددت انعقاد الاختصاص القضائي للمحاكم العسكرية في القضايا التي يكون فيها طرف عسكري وتتعلق بوظيفته ولا تجوز محاكمته من قبل القضاء العادي وعلى وفق النص الآتي:
(أولا – تختص المحكمة العسكرية بمحاكمة المتهم في الجرائم التالية بصرف النظر عن زمن وقوع الجريمة.
أ– إذا ارتكب العسكري إحدى الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات العسكري او القوانين العقابية الأخرى ولم يترتب عليها حق شخصي للأفراد)، وهو ما استقر عليها العمل القضائي ومنه قرار محكمة التمييز الاتحادية رقم 5531/جزائية/2007 في 27 /11 /2007 الذي جاء فيه: لدى التدقيق والمداولة وجد ان المتهم وحسبما مثبت مع أقواله في دوري التحقيق والمحاكمة انه عسكري ومن منتسبي الجيش العراقي، وعليه فإن المحكمة العسكرية هي المختصة حصرا في محاكمة العسكريين بالجرائم التي لا يوجد فيها طرف مدني والمشتكي فيها الحق العام استنادا لنص المادة 4 / اولا – ا من قانون أصول المحاكمات الجزائية العسكري رقم 30 لسنة 2007)، وهذا سيؤدي إلى البحث عن كيفية التوفيق لأن هيئة النزاهة تعمل تحت إشراف قاضي التحقيق في المحاكم العادية وليس العسكرية على وفق نص الفقرة (أولا) من المادة (11) من قانون هيئة النزاهة الجديد كما أن السلطات التحقيقية لدى الجهات العسكرية هي مجالس تحقيقية ولا يوجد لديهم قاضي تحقيق على وفق نص المادة (9) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العسكري وهذا الملحوظ ذاته تجاه منتسبي قوى الأمن الداخلي لأن التحقيق يتم على وفق أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية لقوى الأمن الداخلي رقم (17) لسنة 2008 وعند تسلم الهيئة مبادرة التحقيق وجميع أطرافها من منتسبي الجيش او الداخلية وتتعلق بوظيفتهم والقانون يمنع القضاء العادي من النظر في قضاياهم لأن قانونهم خاص والقاعدة القانونية تشير الى أن الخاص يقيد العام عند ذاك ستظهر هذه المشكلة التي لم يتحسب لها مجلس النواب عند إصداره للقانون لأن إجراء التحقيق من غير القضاء المختص سيؤدي الى بطلان جميع الإجراءات وهروب المجرم من العقوبة مستغلا ذاك المنفذ المشار اليه أعلاه.
• ورد في نص الفقرة (أولا) المادة (13) من القانون الجديد منح صلاحية حفظ الاخبارات الى رئيس الهيئة وجاء في النص ما يلي (للهيئة بقرار من رئيسها حفظ الاخبارات، دون عرضها على قاضي التحقيق المختص، اذا وجدها لا تتضمن جريمة ما، او اذا ثبت لديه بالتحريات والتحقيقات الأولية عدم صحة الاخبار او كذبه (وفي النص نجد عبارة (اذا وجدها لا تتضمن جريمة ما) وهذا تدخل في عمل القضاء، لأن من يحدد أن الأفعال تشكل جريمة من عدمه هو القضاء وليس رئيس الهيئة الذي لا يمارس أي عمل قضائي وان كان يحمل صفة قاضٍ، وهذا يتقاطع مع مبدأ الفصل بين السلطات.
• جاء في المادة (14) إن الهيئة تكون طرفاً في القضايا التي لا تجري فيها التحقيق، وهو لا ينسجم مع نص الفقرة (1) من المادة (3) ونص الفقرة أولا من المادة (11) من القانون الجديد لأنه حدد حصرا جهة التحقيق في قضايا الفساد بهيئة النزاهة، فكيف ينصرف الذهن إلى وجود قضايا يتم التحقيق فيها من جهات غير الهيئة لأن ذلك يتعدى على الاختصاص النوعي للجهة التحقيقية، كما ورد في الفقرة الثانية من المادة (14) إن الهيئة لها حق الطعن تمييزا بقرارات القضاء مع أنها الجهة التي تتولى التحقيق في القضايا وهذا يؤثر في حيادية التحقيق لأن المحقق يفترض فيه الحياد فإذا أصبح طرفا في القضية سيكون خصما لا يتوفر على عنصر الحياد في التحقيق.
• القانون توفر فيه عيب الصياغة التشريعية، إذ تطرق إلى تنظيم أحكام مؤسسات وهياكل تنظيمية في الدولة لها قوانينها الخاصة عندما ألزم المفتش العام بأمر مع أن له قانونا خاصا ينظم عمله، وهذا الإلزام لا يرتبط بعمل الهيئة وعلى وفق نص المادة (21) من القانون الجديد.
ومن خلال ما تقدم نجد أن النص الجديد لم يكن بمستوى طموح المختصين في القانون بإيجاد أحكام قانونية محكمة جامعة تغطي الحاجة من أجل سد منافذ الفساد وإيجاد بيئة تشريعية تحقق النهوض بالواقع العراقي ونأمل أن يغطى هذا القانون بالبحث الأوسع مثلما نتمنى على مجلس النواب أن يشرك المختصين في مناقشة الأفكار التي تتعلق بالقوانين المفصلية عبر فتح قنوات الاتصال مع الجميع.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

 

مقالات القاضي سالم روضان الموسوي

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*