فوائد الغرق ( عارف الساعدي

ليست هناك فائدة من الحديث عن الغرق وأضراره، ومن الفيضان وكوارثه، لأن هناك فوائد كثيرة استطعنا أنْ نجنيها لحظة جنون المطر علينا، ولحظة دخوله منازلنا دون استئذان، فأعظم الفوائد أننا استطعنا أنْ نجمع العائلة كلها في غرفةٍ واحدة، بل أن هناك عوائل متعددة اجتمعت في بيتٍ واحدٍ نسيه المطر لحظة الجنون، فبقي آمناً للباحثين عن يباس المدينة.
 ومن فوائد الغرق اطفاء الكهرباء، وإغراق مولدة المنطقة، فبقينا بلا ضوء، عندها تسلل أطفالي الصغار كالفئران من جحورهم، وكلٌ بيده «آي باد» مطفأ لا شبكة «انترنت» ولا كهرباء، اضطروا أنْ يجلسوا معنا، وأن نضحك معاُ، ونثرثر معا، في غرفةٍ واحدة في الطابق الثاني، ومن ثم أطلوا برؤوسهم الصغيرة من شرفة الطابق الثاني وشاهدوا غرق الشوارع و»الكراج» وإذا بهم يفرحون كثيراً لأنهم لم يروا نهرا قريبا من متناول أيديهم بهذا الشكل، فكلٌ يحاول أنْ يمد رجليه فرحا بالغرق، وهذه نعمة من نعم الغرق.
وللغرق فوائد أخرى رددتها زوجتي، وهي بقائي محبوساً في البيت، لا أصدقاء، ولا عمل، ولا مقهى، ولا «نركيلة»، وهذا إنجاز أنْ أُحبس يومين في البيت، ولكني حاولت أنْ أعيد في مدة حبسي في البيت قراءة روايتين، الأولى لعبدالله صخي «دروب الفقدان» والثانية لعامر حمزة السعدي «سابرجيون» وبدأت أقرأ وأخطط بقلم الرصاص وأدون بعض الملاحظات، ولكن الجميع صرخ بوجهي (هذا وكت قراية كاعد نغرك وإنت تقرا) فرميت عبدالله صخي وعامر حمزة، وعدتُ إلى غوايتي الأثيرة، اللعب بجنون مع الصغار، وبأعلى
 الأصوات.
ومن فوائد الغرق الحقيقية جاري «أبو محمد» والذي لم يكن بيننا من علاقة سوى تحية باليد من بعيد، وقد لمع معدنه الذهبي لحظة غرق بيوت الحي، فمنذ الصباح حين وقفت في الباب وكان الماء ينط بطوله بحدود المتر خرج جاري، وكان الوحيد الذي لديه سيارة عالية تطاول غضبة الغرق، فلمحني وقال: «محتاج شي؟ قلتُ له: «لا خبزَ في البيت» فقال: انتظرني لحظة، بعدها رجع، وعبر الشارع الغارق تماما ليوصل لي  خمس «صمونات» للفطور، بعدها بساعة خرجت فوجدت سيارتي قد امتلأت بماء المطر وما صاحبه، فلم تعمل وغرقتْ للنصف، فخرج جاري «أبو محمد» هو وأخوه، وغرقوا إلى أذنيهما بحثاً عن «الحديدة» التي يربطون بها الحبل، وبعد العذاب وجدوها وسحبوا سيارتي إلى حيث اليابسة، ولم يكتف جاري أبو محمد بذلك فقد حملنا أمس أنا وعائلتي حيث ارتفع الماء وغاظ كثيرا، وبدأت سيارته العالية يتسرب الماء لدواخلها، ولكنه أصر أنْ يوصلني إلى اليابسة أيضا، وبقي «ابو محمد» في الدربونة ينقل ويشتري للناس احتياجاتهم لأن سيارته تسمح بشق الفيضان الذي اكتسح مناطقنا.
   في حين كان جاري الآخر «رياض الفيلي أبو فاطمة» مهموماً طوال الوقت يتصل بالمسؤول الفلاني والعلاني، ويصور ويبعث بالصور في كل مكان، ويناشد ويلعن الزمن الذي وصلنا إليه، شكرا للغرق وللفيضان، لأنه عرّفنا على جيران رائعين، وشكرا لأمناء العاصمة جميعا، الذين توالوا على أمانتها الثقيلة، فحملوها، ولكنهم لم يشفقوا من
حملها أبدا.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*