فصلنا العراقي الطويل ( صادق كاظم

كان غزو الكويت نتيجة قرار متهور اقدم عليه النظام الدكتاتوري السابق واحدا من الاخطاء القاتلة واكثر القرارات سوءا في التاريخ والتي انهت وضع العراق كدولة مستقلة ذات سيادة بعد ان تعامل مجلس الامن الدولي مع حماقة ذلك النظام باصدار قرار اممي يضع العراق تحت احكام الفصل السابع والذي يعتبر بموجبه العراق دولة مهددة للامن والاستقرار في المنطقة والعالم .هذا القرار ورغم هزيمة النظام الكبيرة في الكويت لاحقا وتمكن قوات التحالف من التوغل في العمق العراقي واندفاع الفرقتين الاميركيتين المحمولتين جوا (81 و101) الى القيام بعملية التفاف واسعة خلف الخطوط العراقية ونجاحها في تطويق قوات (الحرس الجمهوري) التي كان يعتمد عليها النظام وبشكل اساسي في حماية العاصمة بغداد ومنع سقوطها الا ان ادارة الرئيس الاميركي الاسبق جورج بوش الاب اصغت الى نصيحة خليجية بعدم الضغط على النظام الدكتاتوري السابق والاكتفاء بتحرير الكويت وفرض شروط مخففة على النظام كان قبوله بها ثمنا لبقائه في السلطة لاعوام مقبلة تسمح له بالتقاط انفاسه ،لكن من دون ان يكون قادرا على استعادة قوته السابقة.
كان الفصل السابع سلاحا فتاكا اشهرته المنظمة الدولية بوجه ابناء الشعب العراقي البسطاء ممن حرموا من الادوية والاغذية ومستلزمات العيش الاخرى كعقاب جماعي تم تلقيه بسبب اخطاء النظام ومغامراته الكارثية. وضع العراق كدولة تحت وصاية المنظمة الدولية افقده في الواقع سيادته ودوره المستقل واصبح العراق محروما من كل شيء واستغلت جهات اوروبية وغربية هذا الوضع لتعقد الصفقات التجارية مع اركان النظام من اجل الالتفاف على العقوبات والتي كانت تصب لمصلحة النظام الذي استغل هذه العقوبات وبشكل بشع من اجل المتاجرة بآلام العراقيين ومعاناتهم وما تكبدوه من خسائر جسيمة وباهظة بسببها ،حيث مات عشرات الآلاف من المواطنين المرضى على اسرة المستشفيات بسبب نقص حبة دواء او قنينة اوكسجين اوجرعة دواء لآزمة مرضية مستعصية وقضى عشرات الآلاف من الاطفال نحبهم بسبب الامراض التي لا علاج لها نتيجة لنقص الامكانات.
كان النظام الدكتاتوري يسخر وسائله الاعلامية من اجل تحويل العقوبات الى وسيلة ضغط على العالم تسمح باطالة بقائه في السلطة ،حيث كان رئيس النظام وحاشيته وابناؤه والمقربون منه يعيشون برفاهية كبيرة ،بل ان رئيس النظام صنع ذات يوم  عربة من الكعك مغطاة بالذهب والالماس بمناسبة عيد ميلاده والتي كانت من ابغض المناسبات في وقت كان فيه طحين الخبز شحيحا ويباع باسعار باهظة وبلغ الاستهتار بالنظام الى حد انه كان يطحن ويستخدم البيض الغالي الثمن وبكميات كبيرة كطعام للاسماك في احواض القصور الرئاسية وتفضيلها على المواطن العراقي الذي كان محروما من ابسط وسائل العيش . كانت العقوبات الدولية تسير باتجاه التشديد وحصار العراق بشكل كامل وكان النظام مرتاحا لهذا الاسلوب الذي يشدد من خلاله قبضته على السلطة ويمنحه الفرصة لاطالة عمره بعد ان تحول ابناء الطاغية وافراد عشيرته الى رجال اعمال يصدرون النفط العراقي المحظور الى الاسواق الخارجية ويحصلون على مبالغ مالية كبيرة تودع في حسابات مصرفية في خارج العراق بينما كانت مطالب التغيير باسقاط النظام غير واردة وغير جدية من قبل الدول الغربية الكبرى التي اكتفت بالتفرج وسط بحر الآلام والاحزان العراقية الكبير  .ورغم ان سقوط النظام الذي تم سريعا بعد عملية الغزو الواسعة التي قام بها الجيشان الاميركي والبريطاني في عام 2003 قد مثل فرصة امام العراقيين لمراجعة هذا القرار الاممي وتخليص العراق من قيوده واحكامه واتاحة الفرصة امامه لاستعادة امواله والالتفات الى عملية الاعمار والبناء ،الا ان ممانعة بعض الدول لم تسمح بنهاية هذا الوضع والسماح للعراق بالعودة الى وضعه السابق والتعافي من اثار العقوبات الدولية ،حيث ظل التعاطي الدولي مع المطلب العراقي متأرجحا وغير مستقر ومرتبطا بتعهدات دولية تأخذ من العراق وتجعله يقبل بالايفاء بتعهداته تجاه الاشقاء الكويتيين او لصالح الدائنين الدوليين ،اضافة الى  وجود موظفين فاسدين وجهات مستفيدة في داخل منظمة الامم المتحدة تستغل هذه العقوبات واحكام الفصل السابع للحصول على اموال من صندوق الامم المتحدة الخاص بالتعويضات المفروضة على العراق من اجل الحصول على الامتيازات الضخمة التي يتيحها لهم هذا الصندوق ،حيث المرتبات المرتفعة واجور السفر والاقامة في الفنادق العالمية الكبرى وعلى حساب اموال النفط العراقية وبعضهم ابناء واقارب لمسؤولين كبار في المنظمة الدولية.
هناك سؤال مهم واساسي هو: لماذا انتظرت المنظمة الاممية اكثر من عشر سنوات لتقتنع بأن العراق كدولة لم يعد يشكل تهديدا للامن والاستقرار وان الوقت قد حان للبدء باجراءات رفع العقوبات عن العراق ولكن بشكل مؤقت عبر نقله من احكام  الفصل السابع الى الفصل السادس وهو فصل يخضع العراق الى رقابة دولية ولكن بشروط ومعايير اخف من الفصل السابع ما يعني ان الوصاية الدولية على العراق ستبقى موجودة وكأنه كتب على العراقيين بان يظل سيف (ديمقليس) الدولي مسلطا على رقابهم في وضع لا يراعي للعراق وضعه كدولة مؤسسة لمنظمة الامم المتحدة وأحد اوائل الدول الموقعة على ميثاق التأسيس وعضو دائمي في مجلس الامن الدولي في العام 1977 ،بل تعامل مع الشعب العراقي وكأنه كان شريكا للنظام في جريمة غزو الكويت متجاهلا الرفض الواسع الذي ابداه الشعب العراقي لها، اضافة الى ان الشعب العراقي قد انتفض على النظام بعد هزيمته في الكويت وكان على وشك اسقاط النظام لولا ان قوات التحالف الدولي قد رفضت مد يد العون الى الثوار العراقيين ومنع طائرات النظام من قصف المدن التي تحررت من قبضة النظام ومساعدة فرق الحرس الجمهوري التي تحركت لاخماد نيران الثورة والانتفاضة بعد رفع الحصار عنها .كل هذه المواقف لم تسمح للمنظمة الاممية باتخاذ اجراءات اكثر ايلاما للنظام ولا تتعرض للشعب العراقي ولا تسمح للنظام بالمماطلة والتسويف وكسب المزيد من الوقت عبر اغراءات النفط والكوبونات المجانية التي كان يمنحها بشكل سري لشخصيات عربية ودولية من اجل مساندته.
مبادرة المنظمة الاممية بمراجعة القرار الدولي السابق الخاص باحكام الفصل السابع ووضع النهاية لها سيمثل خطوة تأخرت اعواما طويلة وكان من المفروض القيام بها بعد العام 2003 وبشكل مبكر وعدم اضاعة هذا الوقت الطويل وترك حل الملفات العالقة بين الكويتيين والعراقيين الى لجان مشتركة فنية تقوم بتنسيق الانشطة المشتركة وتنظيم عمليات البحث عن الاسرى الكويتيين ،اضافة الى حل مسألة العلامات الحدودية ليباشر بعدها برفع العقوبات ليمنح العراقيين الفرصة للاستفادة من هذا الوضع الجديد في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية وقطع الطريق بوجه اية مزايدات اومحاولات لاستغلال بقاء العراق تحت احكام هذا الفصل وفرض شروط اومساومات عليه واجباره على تغيير مواقفه تجاه مختلف القضايا في المنطقة .على الدبلوماسية العراقية وفي حال تمكنها من تحقيق الانجاز الكبير بانهاء الوصاية الاممية بان تباشر بايجاد حل لملفات الديون الخليجية على العراق والتي تقدر بحوالي 20 مليار دولار نصفها للسعودية وعدم ترك الامر يتفاقم او يستغل وطي هذه الصفحة المأساوية من تاريخ العراق ،حين تلاعبت حكومة القرية بمصير العراق وابنائه وجعلته رهنا لسياسات ومخططات القوى الدولية الكبرى عبر بوابات الحروب العبثية التي اشعلتها في المنطقة والحقت الخراب والدمار فيها وجعلت العراق يدفع اثمانها من ثرواته ومصيره واستقلاله.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*