فتاوى.. حسب الطلب! / بقلم : سالم مشكور

من بغداد الى دمشق مرورا بتونس وطرابلس الغرب ومصر، تنقلت الفتاوى السياسية خلال السنوات الماضية لتشيع، باسم الدين، القتل والدمار والوحشية بأبشع صورها، ولترسم صورة مليئة بالهمجية لدين رسالته المحبة والتسامح والبناء. وراء تلك الفتاوى، مشاريع سياسية، دأب راسموها ومنفذوها على استخدام الدين ورجاله، وسيلة لخداع وتجنيد قطعان المغفلين الذين جمّدوا عقولهم وضمائرهم وتحولوا مطايا بيد تجار الدين. فتاوى بالعشرات أصدرها هؤلاء بتكفير المسلمين والدعوة الى قتلهم باسم الله والدين وبعناوين الجهاد، أغلبها صدرت من أرض الحرمين الشريفين، تحت سمع وصمت الحكم الرسمي، بل وبتحريك من بعض أجهزته.
اليوم بتنا نسمع من ذات الابواق الكريهة فتاوى تحرّم القتال في ذات المناطق التي أفتوا سابقا بـ”الجهاد” فيها. وكما كانوا يستخدمون الروايات في تبرير فتاوى القتل السابقة، لم تعجز كتبهم المليئة بالروايات الموضوعة عن سرد ما يفيد منها الآن بتحريم هذا القتال. بالامس كنت أشاهد مقابلة تلفزيونية لأحد شيوخ الضلالة وهو يبرهن بالأدلة الشرعية حرمة قتال الحاكم في سوريا مثبتا أنه حاكم لم يحارب الشعائر ولم يمنع الدين.
هكذا وبكل بساطة يكفّرون ثم يمنحون صفة الاسلام لذات الاشخاص أو الجهات. وبين التكفير والأسلمة تراق دماء عشرات الآلاف من السوريين، بهذه الفتاوى دون أن يبرر أحد من هؤلاء سبب هذا التبدل.
السياسات تتغير، فتتغير الفتاوى، حرام الامس يصبح حلالا أو بالعكس، وكافر الامس الذي تم تجنيد قطعان البهائم من أصقاع الارض لقتاله، يصبح مسلما لا يجوز الخروج عليه، مع أنه هو ذاته، لم يكفر سابقا، ولا هو أعلن إسلامه الآن.
نفس الجوقة العرعورية التي كانت تصرخ داعية الى الجهاد، تتبارى اليوم في الحديث عن حرمة قتال المسلم. كل ما في الامر ان السياسة السعودية تغيرت، أو بالاحرى، تغيّر الدور السعودي في المنطقة ولم يعد مسموحا له المساهمة في إدارة القتل في سوريا، فيما يركز آخرون، في دورتهم الفتوائية الجديدة، على تحريم قتال السعوديين في البلدان الاخرى، وكأنهم يقولون ان فتاواهم السابقة تبقى سارية على غير السعوديين. كما أن اقتصار تحريم القتال في الساحة السورية، يعني ضمنا ان ارتكاب جرائم القتل الجماعي والفردي في ساحات أخرى كالعراق ومصر وليبيا، لا يزال يصنف في خانة “الجهاد”، فالسياسة التي توجّه هؤلاء لم تتغير في هذه البلدان، وبالتالي فان “الموقف الشرعي” لم يتغير.
الفتوى الدينية لطالما كانت أداة بيد السياسيين، تخدم مشاريعهم وخططهم ، في مجتمعات فطرية، لا يزال أغلب أفرادها يرون في رجل الدين ممثلا لله، كلامه كلام الله، ومخالفته معصية لاوامر الله. في ستينيات القرن الماضي اراد عبد الناصر مغازلة المعارضة الدينية الايرانية ضد نظام الشاه، فأوعز الى  الازهر بالاعتراف بالمذهب الإمامي الجعفري وتدريسه في جامعته كما أنشأ دار التقريب بين المذاهب في القاهرة.
وفي المراحل اللاحقة وبعد وصول رجال الدين الايرانيين الى السلطة  كانت السياسة المصرية على تناقض معهم، فاوقف تدريس المذهب الشيعي وأغلق دار التقريب، وبات الانتماء الى المذهب الشيعي جريمة يعاقب عليها.
كثير من رجال الدين، يساهمون في تحويل الدين الى أداة سياسية، ونجاحهم في هذا يعود الى تفشي الجهل وضعف الوعي، وتجميد العقل لدى قطاعات واسعة من الناس، الامر الذي يحوّلهم الى أدوات للقتل والجريمة خدمة لسياسات دول وأجهزة مخابرات محلية ودولية.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*