غياب البرلمان / بقلم : ساطع راجي

دستوريا، النظام السياسي في العراق برلماني، أي إن هذه المؤسسة (مجلس النواب) هي الاساس في تنظيم وادارة العملية السياسية وبناء وتشكيل الحكومة ولها الدور بشكل مباشر أو غير مباشر في صناعة القرار، لكن عمليا هناك غياب كبير لدور هذه المؤسسة في المراحل المفصلية والمنعطفات المهمة حيث تتخلى عن دورها بإرادتها أو بدونها لزعامات سياسية محدودة وغالبا بلا صفة رسمية لصياغة المواقف واتخاذ القرارات، ويبدو إن هامش الغياب هذا آخذ في الاتساع رغم حالة التململ والاعتراض المتزايد من النواب على تفرد الزعامات في صنع المواقف واتخاذ القرارات.
تجاوز الزعامات للنواب العاديين وطبخ الخطط السياسية في غرف غير رسمية زاد من الخلافات والانشقاقات داخل الكتل وهو ما أدى الى إضعاف دور البرلمان في صنع القرار حتى صار الزعماء يفكرون في طرق التفافية تسمح لهم بتجاوز البرلمان ولو في قضايا مهمة مثل سحب الثقة عن الحكومة، فبدلا من استرداد مجلس النواب لحقه أي سحب الثقة التي منحها للحكومة عبر عملية استجواب تسمح للمواطنين بالاطلاع على القضايا الخلافية الحقيقية، يريد الزعماء من رئيس الجمهورية استخدام حقه الدستوري في الطلب من مجلس النواب سحب الثقة عن الحكومة وهو الامر الذي يحتاج أيضا الى موافقة النواب وهنا تبرز المعضلة حيث يشك الجميع في إمكانية الحصول على تأييد العدد اللازم من النواب لطلب سحب الثقة مع توفر كثير من المؤشرات على وجود خلاف في المواقف داخل الكتل المطالبة بسحب الثقة، بل هناك تصريحات واضحة لنواب تؤكد تأييدهم لاستمرار الحكومة الحالية في مقابل مواقف مختلفة لزعمائهم السياسيين الذين يديرون اجتماعات تخطط لسحب الثقة.
غياب البرلمان عن صنع القرار السياسي خطر حقيقي يهدد إدارة الدولة لأنه يسمح بظهور دكتاتورية النخبة (القلة/الاوليغاركية) ويسمح بتأسيس مؤسسة غير مرئية ولا سياق رسمي لها تشبه (مجلس أمراء) أو (مجلس حرب) أو (مجلس قيادة بلا رأس) تتفرد بإدارة البلاد وفقا لمصالح ورؤى الزعماء، وهذا النوع من الدكتاتورية هو أشد خطرا من دكتاتورية الفرد لأنه يؤدي أولا الى شلل الدولة وفشلها ويؤدي ثانيا الى وضع البلاد على حافة الحرب الاهلية دائما حيث لا دستور يحكم هذه المؤسسة ولا حتى آليات تصويت تقود الى اتخاذ قرارات عملية.
هناك تأويلات ومماحكات لا أساس لها يراد عبرها تجاوز الحقائق الدستورية وتهويل وتضخيم شخصيات في السلطة وخارجها لتكون فوق المؤسسات، وهناك جدل مفتعل لإضعاف صلاحيات البرلمان ومنحها لأشخاص بذريعة الفعالية والانجاز والشعبية والتاريخ النضالي وهي كلها مسميات غير رسمية بما في ذلك مسمى (الزعيم) الذي صار يفرض نفسه في تجاوز واضح لأطر دولة المؤسسات.
لا أقصر ولا أوضح من الخط الدستوري المستقيم في معالجة المشاكل وحل الخلافات وهذا الخط هو مؤسسة البرلمان (مجلس النواب) مع ما يستتبع هذه المؤسسة من دوائر ومراكز تقوم بتسهيل عملية صنع القرار بمهنية، ولا شرعية حقيقية لأي سياسي الا بمقدار ما يمنحه البرلمان لكن أيضا لاوجود حقيقي للبرلمان بدون أداء فعال ونجاح وقدرة على فرض الوجود كمؤسسة حاكمة للدولة وممثلة للمواطنين، وهيبة وسلطة البرلمان تتحقق عبر نواب لهم رؤى واضحة والتزامات محددة معلنة ويبتعدون عن الانتهازية وبيع المواقف.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

 

حجز فندق في بغداد

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*