عيوب الذاكرة / بقلم : عبد الرضا الجاسم

يقال إن ذاكرة الشعوب ضعيفة ، من قبيل التعميمات المغلفة بصبغة الأحكام النهائية ، لكنها تثير تساؤلا ضروريا، هو إلى أي مدى يمكن الرهان على ضعف الذاكرة، وهل هو المتهم الوحيد بقطع سلسلة المراحل ، بطمس مرحلة هنا وأخرى هناك؟.
والحق، أن الذاكرة طالما أثبتت قابليتها للاختراق، إذ يمكن أن تعبث أصابع التشويش بموجوداتها ، أو على الأقل، تصرف مجساتها نحو اتجاه بعينه ، فيبقى غير المرغوب فيه مركوناً، أو ذكرى مؤجلة مرهونة بمحفزاتها، كقابلية الاشتعال، وما على إرادة التشويش غير إلهائها بضوضاء الحاضر وقلقه ، كضوء ساطع يبهر البصر ويشتته، والقلق بالذات ، بمثابة حصان طروادة ، يمكنه النفاذ عبر أكثر تحصينات الذاكرة منعة ، وبعثرة أوراقها ، بل إعادة صياغتها بموازاة أهداف محددة، أهداف لا تكاد تنفك عن السياسة وأساليبها ، ودفاع السلطة الدكتاتورية عن بقائها ، ولو على هامش مشهد متهرئ بالبؤس، أو في زاوية ذاكرة خطها إزميل التزييف والخداع ، لذلك لا يخلو نظام استبدادي من ماكنة تصنيع ذاكرة من نوع ما، ترفع أقواما وتحط آخرين، تقدس مرحلة زمنية وتصب لعناتها على أخرى،  لأسباب شتى ، آيديولوجية أو دينية أو عنصرية ، أو حتى مزاجية، يكفي أن يرضى دكتاتور عن أمر ليصبح دينا، أو تسيطر على رأسه فكرة تصحيح التاريخ ، فيكتب الماضي بمشيئة الحاضر، لكن الفكرة المركزية التي تدور حولها جهود التزييف، هي حصانة السلطة المستبدة، فهي تصل ــ أو أكثرها ـ  إلى السلطة قفزا، إما بانقلاب عسكري، أو في ظروف غير طبيعية، مكشوفة الظهر أمام الطعن بشرعيتها ، وهنا يشرع سحرتها بقلب الحقائق، ابتداء بتاريخ السلطة السابقة لها ، وتستمر مختبراتها الانتقائية في إنتاج واقع ليس له وجود ، واقع ذهني لا ظل له على الأرض، في عملية غسيل دماغ دائبة لا تتوقف،  بالتعمية على ذاكرة الشعب الهشة ، وإذا تعذر ذلك يكفي إلهاؤها بما يشغلها عن تذكر أمسها القريب فضلا عن البعيد.
والغريب أن بعضهم يصدق أن حبال سحرته حيات تسعى فعلا، فتكون صدمته لا حدود لها حين يلفظه الواقع خارج اللعبة، رأينا القذافي مذهولا عند بدء الانتفاضة الليبية، وقد أخذ يصرخ في نوبة مضحكة من الهستيريا،  لكنه  لم يلبث أن عاد إلى ممارسة الضرب على نفس الوتر، ضعف ذاكرة الشعوب ، وقفز على أربعة عقود من حكمه الشمولي ، ليضع مكانها ذكريات التحرير زمن الاحتلال الإيطالي ، وبطولات المقاومة الليبية بقيادة عمر المختار ، استثمارا للأثر النفسي الذي تتركه هذه الذكريات لدى المواطن الليبي، لعل ذلك يشوش ذاكرته ويلهيها قليلا عن التماهي مع مأساة حكم القذافي المريرة ، أما في العراق ، فقد أخذت اللعبة منحى آخر ، فالسلطة الدكتاتورية التي فقدت مكانها في الواقع ، لم تترك لنفسها مكانا في ذاكرة العراق، إلا ّ حين يكون الحديث عن مساوئها، فلم يجد أنصارها من سبيل ، غير زرع هذه الذاكرة بما هو أقسى ، لتترحم على الزمن السابق، وتنسى مآسيه وآلامه، وكان وراءهم جهات عربية تحمل الهم نفسه ، وتخشى من وصول عدوى التغيير ، أما المنهج فهو دعم كل عوامل عدم الاستقرار، وإشاعة اليأس والتشكيك وعدم التعامل مع مخرجات العملية السياسية العراقية على محمل الجد ، كما لو كانت وضعا طارئا ، وليست خيارا لشعب سفح من أبنائه ما يكفي لإثبات رغبته بالديمقراطية والحرية،  لكن عامل (القلق) من أمضى أسلحة التشويش، وأوسع منابعه هو عدم الاستقرار ودخول الغد الآتي في غمامة المجهول ، إن هذا كفيل بانطفاء ذلك الاتقاد لصور الماضي الدكتاتوري المؤلم، وخفوت أثرها في النفوس بانصرافها لمؤثر جسيم آخر ، مؤثر يجعل من الحاضر بمثابة وخزة تصرف كل إيعاز الألم إليها ، ليصبح ما سواها ثانويا بعد أن كان مستحوذا على كامل مساحة الوعي .
إن الذاكرة ارض هشة، لا تمسك غرسها طويلا، وما ساخ عميقا في قعرها أكثر مما يتداوله وعيها، وهي، على الدوام، بحاجة إلى محفز لتنتفض وتزيح عن أنفاسها ركام التشويش ، والأهم ، أن تنفض عن أكتافها غبار الذكريات الزائفة .

book flight

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*