ظاهرة هروب السجناء والموقف القانوني منها / بقلم : القاضي ناصر عمران الموسوي

تشكل ظاهرة هروب السجناء واحدة من الانعكاسات الخطرة , التي تصيب البنية التنظيمية الاجتماعية والقانونية للمجتمع بمقتل , وتفتح الطريق لكثير من التصورات التي تذهب بعيدا ً لتحرق مراحل مهمة دفع من اجلها العراق الكثير من التضحيات , وتشوه صورة العدالة التي رسختها مبادئ قيمية وفكرية وعقائدية , وتتناقض مع مفهوم وفكرة وماهية السياسات العقابية التي تستند في وضعيتها إلى بلورة صورة واضحة للفكرة التقليدية التي ترتكز عليها السلوكيات الفردية والاجتماعية ضمن مفهوم (الثواب والعقاب ) الذي مر بمراحل كثيرة كانت كل مرحلة تشكل انعطافة إنسانية نحو المدنية والتحضر, وإذا كانت التشريعات الجنائية قد تطورت من النظرة إلى الجريمة وإيجاد العقاب المناسب لها إلى المناخات التي ولدت فيها الجريمة وفق ما يسمى في الفقه الجنائي بمفهوم (تفريد العقاب ) والذي يكون قريبا ً من ظروف وأسباب السلوك الجرمي , فان ذلك لا يعني مطلقا ً التضحية بالمبادئ العامة لفلسفة العقاب المتمثلة بالإضافة إلى العدالة المجتمعية حالة تحقق الردع العام المجتمعي والردع الخاص في معالجة وإصلاح الجناني وتهذيبه بغية إعادته فردا صالحا ً للمجتمع , والمجتمع : هو مجموعة أفراد يشكلون في سلوكياتهم اليومية منظومة الرؤى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يتم بلورتها في إطار تقنيني قانوني , والجانب العقابي واحد من أهم التنظيمات القانونية لسلوكيات الأفراد داخل المجتمع وإذا كان المجتمع حريصاً على حماية واطمئنان إفراده فان ذلك لا يتم إلا من خلال فلسفة جنائية تضع المجرم والمجني عليه في خانات الحقوق والواجبات والالتزام بهما ووضع الجزاء المناسب في حالة خرق هذه الحقوق والواجبات. العقاب فكرة تزامنت مع الجريمة وولدت مع أول علائق إنسانية وجدت على سطح البسيطة وتناولتها بالتنظيم الأعراف والعقائد الدينية والتجارب الحياتية عبر مسيرة طويلة .اهتمت أولا بتحقيق فكرة الألم بالنسبة للجاني ليشعر المجني عليه وذووه بان فعله لم يذهب سدى بحيث يكون العقاب بيد الجماعة التنظيمية مهما تنوعت تشكيلاتها بعيدا ًعن شريعة الغاب كما تسميها الدراسات الاجتماعية والفيصل في ذلك للعرف والدين والقانون,والعراق واحد من البلدان التي كانت لها الريادة التشريعية في التشريعات الجائية والتي اصطف خلفها الجميع ينهل من تجاربها الحضارية وبخاصة تشريعاتها العقابية وسياساتها الجنائية ,ووجود المؤسسة الإصلاحية للسجون والمواقف لم تأت من فراغ أو استنساخ لتجارب الآخرين بل هي مؤسسة أصيلة على بساطتها في ذلك الوقت وان نهلت من التجارب العالمية والدولية بعد ذلك لغرض تطويرها ،وان استغلت بشكل سيئ في فترات طويلة من تاريخ العراق لعل الأبشع فيها فترة حكم النظام ألبعثي , وقد حظيت هذه المؤسسات باهتمام خاص بعد سقوط النظام السابق والتغيير الجذري في النظرة للمؤسسات العقابية التي فتحت أبوابها للمعايير الخاصة بحقوق الإنسان والحريات فقد تم تعديل قانون إصلاح النزلاء والمودعين رقم (104) لسنة 1981 بأمر سلطة الائتلاف المؤقته رقم (10) لسنة 2003 والذي تضمن ادارة مراكز الاحتجاز والتوقيف والسجون وعلى ضوء الأمر صدرت مذكرة سلطة الائتلاف المؤقتة رقم (2) لسنة 2003 وكلها تؤكد على احترام وتطبيق الأعراف والمعايير الدولية في إدارة مراكز الاحتجاز والتوقيف والسجون. وبعد انتهاء مرحلة سلطة الائتلاف المؤقتة تعكزت إدارة مراكز الاحتجاز والتوقيف والسجون على سقف دستوري صوت عليه الشعب في 15/10/2005 كان من أهم مبادئه التي نص عليها في المادة (19) حالة العلاقة المهمة للفرد بالجريمة والعقاب والضمانات المهمة التي تحفظ آدميته ويشعر خلالها الفرد بأنه في أحضان العدالة , فالقضاء المستقل ضمانة مهمة للدولة والفرد والمجتمع وحالة اطمئنان وقدسية لما يصدره عنه من أحكام مهمة لا سلطان في فرضها لغير القانون والدستور ,ولا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني يعرف من خلاله الفرد الأفعال المباحة فيتصرف على ضوئها والأفعال المجرمة فيبتعد عنها ,وحق الفرد في الدفاع عن نفسه مكفول دستورياً وقانونياً مع المعاملة العادلة في الإجراءات القانونية والقضائية وسريان القانون الجنائي من لحظة تشريعه بعد نشره في الجريدة الرسمية ولا يكون له اثر رجعي إلا حين يكون لمصلحة المتهم , ولا يجوز الحجز والتوقيف إلا بأمر قضائي صادر من جهة مختصة كما إن إدارة المواقف والسجون تخضع للرقابة والإشراف من جهات متعددة أهمها المفتشيات ولجان حقوق الإنسان والزيارات التي يقوم بها القضاة وأعضاء الادعاء العام وبخاصة إن (قانون الادعاء العام ) رقم 159 لسنة 1979 المعدل وفي المادة (7/ ثالثا ً) تضمن (على الادعاء العام ما يأتي :تفتيش المواقف وأقسام دائرة إصلاح الكبار ودائرة إصلاح الأحداث وتقديم التقارير الشهرية عنها، الى الجهات المعنية.), وكل هذه الضمانات الخاصة بالمتهم والموقوف والسجين بدءاً من المؤسسة الإصلاحية وبرنامجها القائم على أسس متطورة لا تعني البتة التغاضي عن اتخاذ العقاب الرادع بحق المجرمين ،التي تشكل العقوبة السالبة للحرية واحدة من أهمها متمثلة ً بعقوبة السجن والحبس والتي هي بمعناها انعكاس لحالة الجاني بعد صدور قرار الحكم وإدانته بالتهمة المسندة إليه , وتحوله من مرحلة الاتهام إلى مرحلة التجريم وإيداعه السجن لتنفيذ العقوبة الصادرة بحقه نتيجة لما ارتكبه بحق المجتمع او الفرد او كليهما ,والسجن او الموقف هو المكان التنفيذية للعقوبة السالبة للحرية ,ويقتضي ذلك ان تكون تلك المواقف والسجون مؤمنه ومهيأة بشكل كبير لتنفيذ مهمتها التي منحتها تسمية التأهيل والإصلاح ,وليس جديدا ً أو غريبا ً هروب سجين أو موقوف وان كان من أهم الخروقات التي تشير إلى أن هناك ضعفا ً إعداديا في توفير الحماية اللازمة للسجناء والموقوفين والعمل على تطبيق العقوبة وعدم السماح بهروبهم من المواقف والسجون ,لكن الأمر يجعلنا نقف وقفة تأمل وتساؤل عن تحول هروب السجناء والموقوفين الى ظاهرة تطالعنا فيها وسائل الإعلام بين الفينة والفينة وعلى المسؤولين عن إدارة المواقف والسجون العمل بشكل جدي لمعرفة الأسباب الحقيقية لهروب السجناء والموقوفين وعلاجها بما يشعر المجتمع بالاطمئنان على حقوقهم ويقوي هيبة القانون والقضاء. وإذا كانت مفاهيم حقوق الإنسان والتعامل مع الموقوف والسجين مقدسة في رؤيتها الإنسانية العالية للكائن الانساني حتى وان كان في موقف المتهم والجاني والمحكوم ,إلا أن هناك أمراً آخر اشد قداسة وأكثر اهتماما إلا وهو الحق الشخصي والمصلحة العامة التي تبلور مناخات الرؤى والتنظيم والضبط السلوكي الذي يؤمن للمجتمع حياته الآمنة عبر وجود العقاب الرادع لمن يحاول قض مضجع وهدوء وسكينة وأمان المجتمع وبخاصة ان الجاني اهدر حقوقه بمقابل المجتمع حين اتخذ السلوك الجرمي طريقا ً له. ان الجريمة آفة مجتمعية مرضية في جسد المجتمع علاجها بالإضافة إلى منظومات متعددة , يقف الردع والعقاب في مفصل مهم منها ,لذلك لم يغب عن لحاظ المشرع لقانون العقوبات العراقي رقم111 لسنة 1969 المعدل النص على جريمة الهروب من الموقف أو السجن أو الاحتجاز بالنسبة للهارب وبالنسبة للمكلف بحراسته او الذي عهد اليه بالحماية والحفاظ على الموقوف والسجين والمحتجز او الملقى القبض عليه ,حيث تناول الفصل السابع من القانون المذكور وتحت عنوان (هرب المحبوسين والمقبوض عليهم وإيواؤهم ) ونص في المواد القانونية من المادة (267ألى المادة273 ) على هذه الجريمة وحدد عقوبة الهروب كجريمة مستقلة عن الجريمة التي تم تجريمه او توقيفه او احتجازه بمقتضاها وكذلك عن جريمة من قام بتمكين او مساعدة الموقوف او السجين او المحتجز على الهرب,فقد نصت (المادة 267) : يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين او بغرامة لا تزيد على مائة دينار:كل من هرب بعد إلقاء القبض عليه او حجزه او توقيفه او حبسه بمقتضى القانون.) وتطرق في الشق الآخر من المادة أعلاه , الى تشديد العقوبة الى الحبس دون التقييد في المدة وهي من صلاحيات المحكمة المختصة مع الإبقاء على نوع الجريمة كجنحة والمعروف ان الجرائم تنقسم من حيث جسامتها الى ثلاثة أنواع : جناية وجنحة ومخالفة طبقا ً لنص المادة (23) من قانون العقوبات ,والجناية هي الجريمة التي عقوبتها (الإعدام ,السجن المؤبد ,السجن من أكثر من خمسة سنوات الى خمسة عشر سنة ) حسب نص المادة (25) من قانون العقوبات . في حين نصت المادة (26) على : الجنحة هي الجريمة المعاقب عليها بإحدى العقوبتين التاليتين :1_ الحبس الشديد أو البسيط أكثر من ثلاثة أشهر الى خمس سنوات.2_الغرامة وان التشديد في العقوبة جاء لتوفر شروط معينة أهمها تعدد مرتكبي الجريمة او استخدام التهديد والعنف على الأشخاص او الأشياء حيث نص الشق الثاني من المادة (وتكون العقوبة الحبس اذا وقعت الجريمة من شخصين فأكثر او بالتهديد او بالعنف على الأشخاص او الأشياء.) في حين جاء الشق الأخير من المادة ليرفع الوصف القانوني للجريمة من الجنحة الى الجناية حين يتم استعمال السلاح او التهديد باستعماله فقد نص (وتكون العقوبة السجن مدة لا تزيد على سبع سنوات اذا وقعت الجريمة باستعمال السلاح او بالتهديد باستعماله في جريمة). وكما ذكرنا فان القانون جعل جريمة هروب السجين او الموقوف او المقبوض عليه او المحتجز مستقلة عن جريمة من قام بمساعدته وتمكينه من الهرب وتشدد في فرض العقاب المناسب عليه تبعا ً لنوع الجريمة المرتكبة حيث نصت (مادة 268):يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على عشرة سنوات:كل من مكن محكوما عليه بالإعدام من الهروب او ساعده عليه او سهله له.وتكون العقوبة السجن مدة لا تزيد على سبع سنوات اذا كان الهارب محكوما عليه بالسجن المؤبد او المؤقت.وتكون العقوبة الحبس او الغرامة في الأحوال الأخرى على ان لا تزيد العقوبة على العقوبة المحكوم بها على الهارب.)وشدد المشرع من العقوبة في حالة تم ارتكابها من أكثر من شخص او بالعنف والتهديد او باستعمال السلاح والتهديد به حيث نص الشق الأخير من المادة المذكور(وتكون العقوبة السجن مدة لا تزيد على خمس عشرة سنة او الحبس اذا وقعت الجريمة من شخصين فأكثر او بالعنف او بالتهديد او باستعمال السلاح او بالتهديد باستعماله.) كما فرض القانون عقوبة السجن على كل من أمد محبوسا ً أو مقبوضا ً عليه او محجوزا ً بأسلحة او أدوات ساعدته على الهرب او بأية طريقة كانت حيث نصت (مادة 269)يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات:كل من أمد مقبوضا عليه او محجوزا او موقوفا او محبوساً بأسلحة او آلات او أدوات للاستعانة بها على الهرب او ساعده على ذلك بأي وجه كان.) وشدد العقوبة على المكلف بحماية المحبوس او المحتجز او المقبوض عليه او المكلف بمرافقته او نقله أذا وقعت الجريمة منه حيث نص الشق الأخير من المادة : (وتكون العقوبة السجن اذا وقعت الجريمة من المكلف بحراسته او بمرافقته او بنقله). كما نصت(مادة 271) على معاقبة كل موظف او مكلف بخدمة عامة كلف بالقبض على شخص او بحراسة مقبوض عليه او محبوس او محجوز فمكنه من الهرب بقصد عمدي او تغافل وتراخى في الإجراءات اللازمة للقبض عليه قاصدا ً تهيئة الفرصة لهرب المحكوم او المتهم بجناية عقوبتها الإعدام او السجن المؤبد او المؤقت حيث جاء في نص المادة المذكورة : (كل موظف او مكلف بخدمة عامة كلف بالقبض على شخص او بحراسة مقبوض عليه او محجوز او موقوف او محبوس او بمرافقة اي منهم فمكنه من الهرب او تغافل عنه او تراخى في الإجراءات اللازمة للقبض عليه قاصدا معاونته على الهرب يعاقب بالسجن اذا كان الهارب محكوما عليه بالإعدام ويعاقب بالسجن مدة لا تزيد على عشرة سنوات اذا كان الهارب محكوما عليه بالسجن المؤبد او المؤقت او كان متهما بجناية عقوبتها الإعدام.وتكون العقوبة الحبس في الأحوال الأخرى). كما نصت (المادة 272) على عقوبة الإهمال الذي يتسبب بهروب المحبوس او المقبوض عليه او المحجوز فنصت : (يعاقب بالحبس او بالغرامة كل من كان مكلفا بحراسة مقبوض عليه او محجوز او موقوف او محبوس او مرافقته او نقله وتسبب بإهماله في هرب احد منهم.) ولم يكن من يقوم بإيواء المحبوسين او المقبوض عليهم بنفسه او بواسطة غيره او يساعد على إخفائهم او إخفاء من صدر بحقه أمر قبض في جناية او جنحة بشرط ان يكون عالما ً بعيدا ً عن طائلة القانون فقد نصت (لمادة273) على :1 – كل من أخفى او أوى بنفسه او بواسطة غيره شخصا فر بعد القبض عليه او صدر بحقه أمر بإلقاء القبض او كان متهما في جناية او جنحة او محكوما عليه وكان عالما بذلك يعاقب: أ – بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات اذا كان من اخفى او ساعد بالإيواء محكوما عليه بالإعدام او السجن المؤبد او المؤقت او متهما بجناية عقوبتها الإعدام.ب – بالحبس والغرامة او بإحدى هاتين العقوبتين في الأحوال الأخرى. 2 – لا يجوز في أية حالة ان تزيد العقوبة على الحد الأقصى للعقوبة المقررة للجريمة ذاتها.) وبالرغم من خطورة جريمة إيواء المتهمين الهاربين فان القانون استثنى من حكم هذه المادة للروابط الأسرية والعائلية الأصول والفروع والزوج والإخوة والأخوات فقد نصت الفقرة (3) على ما يلي :3 – لا يسري حكم هذه المادة على أصول او فروع الشخص الهارب ولا زوجه او إخوته او أخواته ).

عقوبة هروب من السجن

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

موقع أفكار

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*