طموح ثورة وصورة قائد / بقلم : عمران العبيدي

شهدت حقبة الخمسينيات من القرن الماضي مجموعة من التحولات الجذرية في حياة شعوب محيطنا العربي تمثلت بنمو المد الثوري الذي قاد الى مجموعة من المتغيرات في شكل أنظمة الحكم، وأشرت تلك التحولات إلى نقطة مهمة هي ان شعوب المنطقة تتأثر ببعضها البعض وان طموحاتها هي واحدة لا تحدها حدود، ووفقا لذلك كانت ثورة 14 تموز 1958 في العراق بقيادة الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم متناغمة مع روحية ذلك المد ومع تطلعات الشعب العراقي الذي كان ينتظر الخلاص من النظام الملكي في العراق، حيث كان يؤشر عليه نقاطا عدة أولها انه أحد صنائع الاجنبي المحتل وكذلك تبعيته له، فضلا عن ان قادة هذا النظام ليسوا من العراقيين حيث استورد البريطانيون ملكا للعراق من خارج محيطهم لينصبوه حاكما على شعب عرف بعراقته وكأن العراق ليس فيه شخص يستطيع حكم العراق.
من كل هذه العوامل ومع نمو الروح الثورية لدى القادة العسكريين والذين وجدوا في انفسهم القدرة على اجراء التحولات وعلى غرار ما حدث في مصر وبعض اجزاء العالم العربي، انبثقت ثورة 14 تموز التي استطاعت ان تقتلع الحكم الملكي الذي نصبه البريطانيون من جذوره وإعادة الامور الى نصابها الصحيح في ان يكون قادة العراق من ابنائه وليسوا من صنيعة المحتل.
كان قائد الثورة الزعيم عبد الكريم قاسم شخصية ثورية وطنية فرضت وجودها على مسار التأريخ، إذ لم تكن لهذا القائد من نوازع وطموحات شخصية، بل شكل الهم الوطني جل تفكيره فقاد العراق الى مجموعة من التحولات مثلتها سلسلة إنجازات لانتشال العراقيين من حالة الفقر حتى لقب بأبي الفقراء، وهذه الإنجازات كانت شاهدة على طموحات القائد الكبيرة على الرغم من قصر عمر حكمه الذي لم يتجاوز الخمسة اعوام وحجم التحديات التي واجهتها الثورة والتي تمثلت بالمؤامرات التي كانت تحيكها قوى تحاول اجهاضها وللاسف نجحت في ذلك في انقلابها المعروف في شباط الاسود الذي قام به البعثيون ليجروا البلاد الى الويلات، حيث استغل هؤلاء روح التسامح لدى الزعيم قاسم، فضلا عن عدم وجود رؤية لما يمكن ان يمثله هؤلاء من خطر على الثورة الفتية.
كانت هذه الثورة وقائدها تمثل طموحا جماهيريا ولكن رغم ذلك خلقت جدلية واضحة تمثلت، حسب رؤية البعض، بأنها قادت البلاد الى حكم العسكر والى سلسلة من الانقلابات، متناسين ان الظروف المحيطة في وقتها اكدت ان الثورات لا يمكن لها ان تنجح وان التحولات ليس لها ان تقوم من دون تدخل قوة قادرة على اجبار الحكم الملكي على الرحيل، وهي قوة العسكر وهذا ما أثبتته اغلب التحولات التي جرت في المنطقة, لذلك لا يمكن إلصاق ما جرى بعد الثورة على انه احد مساوئها، فالنوايا التي ادت الى الثورة لا يمكن تجاوزها، حيث الرغبة بإخراج العراق وشعبه من تبعيته للمحتل والخلاص من حكم العائلة الواحدة والدخول في مسار التأريخ الطبيعي من خلال نظام وطني يقود العراق.
لذلك بقيت الثورة وقائدها خالدين في ضمير الشعب رغم بعض المؤشرات التي ساقها البعض على نتائج الثورة فيما بعد، وكان لهذه الثورة – لو لم تحاط بسلسة من المؤامرات والمتآمرين – ان تقود العراق نحو النمو الذي أكدته الانجازات الكبيرة في سنواتها القليلة والتي شملت قطاعات الحياة كافة، فكسبت الثورة وقائدها حب الناس واحترامهم على مدار السنين.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*