ضعف الدور الرقابي ( محمد صادق جراد

التجارب الديمقراطية التي تشهدها دول تحولت من أنظمة دكتاتورية إلى أخرى ديمقراطية دائما ما تعاني من تفشي الفساد بأنواعه المالي والإداري والسياسي لذلك هي بحاجة الى منظومة رقابية يمكن ان تتصدى للفساد وتراقب سير العملية السياسية وتحميها من الخروقات.
ومن خلال قراءة متأنية لمعظم الدساتير في العالم نجد انها تضمنت مواد ونصوصاً قانونية تكفل وجود الرقيب على أداء كل سلطة من السلطات الثلاث وترسم ملامح هذه المراقبة وصلاحيات كل طرف من الأطراف .
حيث تبين للجميع من خلال التجارب الديمقراطية في العالم المتحضر ان الأداء السياسي إذا ما أراد أن ينجح في إرساء التوازن بين السلطات المكونة للدولة الديمقراطية الحديثة وإذا ما أراد أن يحارب الفساد بأنواعه فانه سيكون بحاجة إلى الرقابة المتبادلة بين هذه السلطات وفق مفهوم الفصل بينها وبما يضمن التزام كل سلطة بواجباتها لدى قيامها بتنفيذ الجزء الخاص بها من المشروع الديمقراطي.
ولكننا اليوم نجد ان الظروف المحيطة بالتجربة العراقية ساهمت في إضعاف المنظومة الرقابية لأسباب كثيرة أهمها الشراكة او المحاصصة التي بنيت على أساسها العملية السياسية، فمن خلال متابعة سير العملية السياسية يمكننا ملاحظة الضعف الكبير في الرقابة بصورة عامة وغياب الشفافية عن الكثير من الأداء الرقابي لأهم مؤسسة رقابية وهي البرلمان العراقي الذي لم يكن ضعيفا في اقرار التشريعات فحسب بل انجر هذا الضعف للدور الرقابي أيضا لاسيما في ملفات الفساد والاستجوابات ونتائج التحقيقات المختلفة ، ويبدو ان المحاصصة التي بنيت عليها الحكومة في تشكيلتها قد انعكست على الدور الرقابي وفق نظرية (غض الطرف) المتبادلة بين الأطراف السياسية التي اشتركت جميعها في الحكومة الأمر الذي أسهم في غياب المعارضة السياسية التي تعد بدورها الرقيب المثالي للأداء الحكومي ما ساهم وبصورة كبيرة في ضبابية المشهد الرقابي في البلاد وهذا ما نلاحظه جليا في أداء المنظومة الرقابية من عدم التنسيق.
ومن خلال قراءة سريعة لمواد وقوانين الدستور العراقي نجد  ورود كلمة (مراقبة و الرقابة) لمرات عديدة فهي واجب ومهمة تقوم بها العديد من السلطات التي تراقب أداء بعضها بعضاً لضمان الأداء الايجابي والفعال بعيدا عن الخروقات والفساد الذي قد يصيب بعضها .
لذلك نجد ضرورة تفعيل الدور الرقابي للبرلمان العراقي بعيدا عن التكتلات والاصطفافات السياسية وتقديم مصلحة المواطن اولا، كما ويرى البعض ضرورة تدخل جهات رقابية محايدة كالإعلام الوطني ومنظمات المجتمع المدني باعتبارها رقيباً ومتابعاً للوضع العام وبصفتها طرفا محايدا لا يبحث عن مغانم سلطوية وليست له أطماع في الوصول الى السلطة وبعيداً عن التجاذبات السياسية التي تؤثر في الكثير من المواقف والقناعات.
ولكن للأسف ما تزال الكثير من القوى السياسية لا تعي أهمية هذا الدور وحيوية المجتمع المدني وضرورته باعتباره من أهم روافد الإصلاح والتغيير ودعم التحول الديمقراطي من خلال ممارسته لنشاطاته لاسيما مراقبة السلطات وهي مهمة مألوفة في الكثير من الدول الديمقراطية التي أصبحت منظمات المجتمع المدني فيها طرفا مهما ولاعبا رئيسيا في إنجاح التحول الديمقراطي من خلال أدائها لدورها الرقابي بالتعاون مع الإعلام الوطني في تسليط الأضواء على مواطن الخلل والمساهمة في وضع الحلول.
لذلك نقول بان علينا العمل على تطوير العمل الرقابي في البلاد ودخول المنظمات المدنية والإعلام الوطني الحر على خط الرقابة للأداء السياسي من اجل أن نضمن أداء متوازنا ومجتمع مدنياً مثالياً يلعب دوره الحقيقي والمؤسسي والمدعوم بالقانون ليسهم في عملية البناء الديمقراطي بصورة صحيحة ومؤثرة.

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*