ضرورة الدعم الجماهيري للأمن ( صادق كاظم

تعرضت الجزائر في اواخر العام 1992 الى صراع ارهابي مسلح  خاضه جيشها وشعبها ضد اكثر من 20 الف عنصر قاموا بمهاجمة قوات الامن ومراكز المدن والجامعات والمؤسسات بعدة طرق تقليدية ابرزها السيارات المفخخة ،فضلا عن مهاجمة القرى الريفية المعزولة وذبح سكانها بالفؤوس والسكاكين .الشعب الجزائري كان واحدا من القوى التي استعانت بها الحكومة لدحر الارهاب ،حين وقف الجزائريون الى جانب بلدهم في مواجهة محنة الارهاب والتكفير ،حيث انخرط ابناء الجزائر في عمليات كبيرة وكثيرة لابلاغ القوات الامنية عن اوكار الارهابيين السرية في المدن والاحياء ، وتكفلت فرق مكافحة الارهاب المدربة بمواجهتها والتغلب عليها والقضاء على عناصرها ما اجبر التنظيمات الارهابية المسلحة على مغادرة العاصمة والمدن الرئيسية الى الجبال ،؛ الامر الذي سهل على فرق الجيش الجزائري ملاحقة عناصرها ومطاردتها قبل ان يسهم اتفاق اجرته الحكومة مع تنظيم جبهة الانقاذ الذي كان راغبا في المصالحة في عزل افراد التنظيمات المتطرفة في حصونهم الجبلية ووضع حد نهائي لتجربة الحرب الاهلية المريرة ،حيث استعاد الجزائريون امنهم في النهاية .
منذ اكثر من عشرة اعوام والعراق يواجه حربا ارهابية مفتوحة ،تعد الاشرس والاخطر في تاريخه ،حيث لم يسبق ان واجه العراق تهديدا امنيا خطيرا بهذا المستوى الذي تقوم به عصابات ارهابية محترفة حاليا .وبحسب الاحصائيات المنشورة عن عدة جهات فان العراق شهد اكثر من اربعة آلاف هجمة انتحارية باحزمة ناسفة واكثر من 3000 هجوم بسيارات مفخخة ،فضلا عن هجمات عديدة بالقذائف والعبوات الناسفة .العراقيون خسروا بسبب هذه الهجمات اكثر من 100 الف ضحية ،اضافة الى خسائر مالية ضخمة لحقت بالممتلكات العامة وتقدر خسائر قوات الجيش والشرطة باكثر من 12 الف ضحية نصفها من قوات الشرطة التي تتعرض الى هجمات شبه يومية .
مسألة التصدي لهذا الارهاب الاجرامي تحتاج الى اكثر من جهد والى عدة آليات وبمسارات مختلفة ،لكن اهم حلقة في ستراتيجية المواجهة تعتمد على الجانب الاستخباري الذي يعتبر حجر الاساس في عملية التصدي للارهاب وتحطيمه وهو ما يجب توفيره من جانبين مختلفين، الاول ما تحصل عليه الاجهزة الامنية من معلومات من خلال جهدها الاستخباري بوسائله المعروفة ، والجانب الثاني هو ما يتبرع به المواطنون من خلال تقديم معلومات ثمينة تكشف خطط الارهاب واوكاره السرية للوصول الى الهدف الثاني فان ذلك يتطلب بذل جهد اعلامي وامني في مجال نشر الوعي الامني والسياسي بمخاطر الارهاب وتحدياته وعدم التعامل معه على انه ارهاب عابر يكاد ان ينحصر عند حدود الهجمات التي تشنها هذه المجموعات ضد المواطنين وافراد الامن  ،بل من خلال استنفار شعبي ووطني يتحدى الارهاب وينضم الى جانب الحكومة واجهزتها الامنية في مواجهة الارهاب والانتقال الى موقع المبادر وليس المتفرج على  الاحداث ومغادرة الحالة السلبية التي يعيشها المواطن العراقي الذي لم يقم بواجبه بشكل دقيق فكثير من السيارات المفخخة قد فجرت في الشوارع بسبب عدم مراقبة المواطنين لوجودها وتساهلهم معها وانخداعهم بالطريقة التي يضع فيها الارهابيون سياراتهم وعبواتهم في تلك الشوارع ومن ثم تفجيرها عن بعد والتي تسببت في حصول خسائر بشرية كبيرة بينما نجد ان مواطنا اميركيا يعمل بائعا للسندويشات والاكلات السريعة قد احبط هجوما ارهابيا بقنبلة موقوتة في ميدان تايم سكوير في العاصمة واشنطن عندما لاحظ جسما غريبا ابلغ عنه الشرطة التي وجدت في هذا الجسم الغريب قنبلة تزن 50 كيلو غراما في منطقة مكتظة بالمواطنين وكذلك فعل اللبنانيون عندما احبطوا قبل شهرين هجوما بسيارة مفخخة تركها صاحبها وسط الشارع .
قبل عدة اعوام تعرضت اسبانيا الى موجة من هجمات ارهابية قامت بها القاعدة ومنظمة الباسك الانفصالية، وقد خرج الشارع الاسباني ومن مختلف الطبقات والاعمار في تظاهرة مليونية منددة بالارهاب اشترك فيها رموزالفن والرياضة والمجتمع واستنكروا بشدة مثل هذه الاعمال بينما لا نجد مثل هذه المبادرات الوطنية الرائعة في العراق ،حيث لا يوجد ادنى جهد مدني لتنظيم حملات اعلامية وشعبية منددة بالارهاب ،بل تكاد ان تكون مبادرة شبكة الاعلام العراقي الوحيدة حاليا على الساحة بينما تتسابق وسائل الاعلام الاخرى لتقديم عروضها السيئة المتحاملة على رجال الامن وابراز العيوب والاخطاء بشكل مبالغ فيه من دون ان تقدر طبيعة الظروف الصعبة التي تواجه العراق ،حيث عشرات الدول والاجهزة الاستخبارية المنخرطة في حرب الاستهداف والابادة التي يتعرض لها العراق وبمختلف مكوناته.
هناك تراكمات واخطاء وسلبيات كثيرة رافقت عملية البناء السياسي للبلاد ،اضافة الى الفساد الاداري المستفحل والضارب في عمق بنية الدولة العراقية وهي امور تحتاج الى المراجعة والتحليل واعادة رسم الخارطة السياسية وايجاد وتعميق مفاهيم الحكومة والشراكة الوطنية ومعالجة الملفات والازمات الساخنة وحلها بشكل نهائي وتعزيزمفاهيم المواطنة والانتماء واعادة تموضع الوعي الوطني ليتجاوز فخاخ الطائفية والمناطقية التي ابتلي بها العراق خلال الحقب الزمنية والسياسية الماضية.
هذه الخطوات تحتاج في الواقع الى قادة سياسيين يعيدون للعراق دوره ووضعه الستراتيجي والاقليمي المميز وينطلقون من مفاهيم تأخذ بالحسبان ثقل العراق ودوره المهم في المنطقة وهو دور لا يمكن ان ينجح السياسيون فيه من دون ترتيب البيت العراقي من الداخل بشكل يحفظ امنه واستقراره .هذه العقدة الخطيرة عانى منها زعماء سابقون للعراق ،حيث الملك فيصل الاول وشكواه من تفكك الروابط الوطنية وانقسام الشعب العراقي الى طوائف وقوميات وعشائر متباعدة عن بعضها تملك من السلاح ما يجعلها قوة مضادة للحكومة ونوري السعيد الذي حاول عن طريق التحالفات السياسية والعسكرية مع الغرب وصداقته الوطيدة لجيران العراق الاقوياء منح بغداد دورا مميزا في الشرق الاوسط ظل غائبا عنها قرونا طويلة بعد ان خسرت هذا الدور لصالح قوى وامبراطوريات اخرى صاعدة بعد سقوط امبراطوريتها على يد المغول وانحسار دورها لاحقا بينما لم ينجح عبد الكريم قاسم رغم نزاهته وووطنيته في تحقيق الوئام السياسي والشروع بتنفيذ خطته المعروفة (العراق اولا ) والتي دفع حياته ثمنا لها.
حالة الانقسام السياسي لن تسمح بتحقيق اي استقرار ولن تمكن الدولة واجهزتها الامنية من مواجهة العدو الرئيس (الارهاب) ولن يوقف حرب الاستنزاف البشعة التي تتعرض لها قوات الشرطة والجيش ،بل سيسهم في مد عمر الارهاب وزيادة قدراته وحجمه وتأثيراته .مواجهة الارهاب تحتاج الى وقفة تضامنية مع  رجال الامن الشجعان الذين يواجهون ويخوضون حربا قاسية وطويلة لا تختلف كثيرا عن الحروب النظامية والتي تقدم فيها هذه الاجهزة الكثير من التضحيات في مواجهة الارهاب وحماية المواطن مع دور شبه غائب للاعلام الذي من المفترض ان يقوم بواجبه في تكريم رجال الامن ودعمهم وتسليط الضوء على ادوارهم وتضحياتهم بدلا من الدور الانتقادي الحاد الذي يوجه لرجال الامن من خلال وسائل الاعلام .
لا توجد وسيلة اعلامية واحدة كتبت عن ذلك الجندي الشجاع الذي احتضن الانتحاري بجسده ومنعه من تفجير نفسه وقتل المواطنين العراقيين الابرياء ،بل كل ما تقوم به بعض الصحف ووسائل الاعلام هو الحديث عن الفشل ونقل صورة محبطة وظلامية عن وعي ومن دون وعي عن المشهد الامني .
الشعب العراقي لا يقل همة عن الاسبان ولا المواطن العراقي اقل غيرة وحرصا من ذلك المواطن الاميركي الذي انقذ بعمله ارواح المئات من المواطنين الاميركيين لكن ما ينقصنا هو الشعور المشترك بضرورة التكاتف لمواجهة الارهاب وقيام الجميع بواجبهم الوطني برصد الظواهر الارهابية ونقل المعلومات عنها لرجال الامن الشجعان ،اضافة الى دور مفروض على الحكومة في ترميم جسور الثقة مع المواطنين.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*