صيدلية القذافي ( نوزاد حسن

لا أعرف لماذا كنت أتخيل دائما أن أبناء الرؤساء الذين يولدون وفي أفواههم ملاعق من ذهب يمرون بطفولة غريبة عن طفولتنا نحن أبناء الموظفين الصغار. ولعل الأسئلة التي يطرحها ابن رئيس الدولة الصغير على أمه مثلا تبدو بلا إجابة. لنفترض أن طفلا سأل أمه هذا السؤال: أماه ما هو عمل أبي؟ ستجيب الام: انه يحكم او هو رئيس الدولة. هذا الكلام ليس كلاما مفهوما.. فالطفل يريد أن يتعلم وهو يطرح الأسئلة، لكن الإجابات تحتاج الى زمن أسميه انا زمن الفهم.. وزمن الفهم يعني أن ابن الرئيس لا بد أن يكبر ليعرف عمل والده.لا بد أن ينضج لكي يعرف أن اباه هو الرأس الوحيدة التي لا تنحني وعندها سيتذكر كلمات أمه.
في أكثر من فضائية أذيع هذا الخبر: ابنة القذافي عائشة تنجب طفلة بعد لجوئها الى الجزائر.. كان العقيد في هذه الأثناء يحارب كي يبقى في الحكم.. وكانت الابنة تنازع كي تمنح الأب طفلا جديدا يزيّن عالم العائلة التي كونها قائد ثورة الفاتح. تلك الطفلة لم تعد في نظري رمزا للمستقبل لأنها جاءت على خرائب أشعلها الجد المتهور ثم دفع ثمنها غاليا.
للحظة تخيلت لو أن الأمور كانت تسير في ليبيا بشكل عادي كانت الطفلة ستسأل: ماما ماذا يعمل جدي..؟ ستجيب الأم عائشة: جدك رئيس ليبيا.. تسأل البنت الصغيرة: ما هو عمله..؟ تجيب الأم عائشة: إنه يحكم. تسأل الابنة: ما معنى يحكم..؟ تجيب الابنة عائشة: عندما تكبرين ستفهمين. يذكر أن مربية الشاعر أحمد شوقي كانت تدخل به على الخديوي وكان الطفل شوقي ينظر الى السقف فاراد الخديوي ان يكسر هذه العادة عنده فألقى بعض الماسات على السجادة فجذبت الماسات بلمعانها شوقي وظل يلعب بها.. ثم قال للمربية في كل مرة ترينه يرفع رأسه الى السقف انثري بعض الماس بين يديه، فابتسمت المربية قائلة: لكن هذا الدواء لا يخرج الا من صيدليتك.
كيف لي أن أفسر هذه الحادثة؟ انها ببساطة شديدة تدل على أن رأس الدولة هو من لا ينحني أبدا.. اما الشعب فلا خيار له الا الانحناء.
 في صيدلية القذافي كان كل شيء موجودا.. لكن الدواء كان يصرف فقط على طريقة الخديوي للمقربين منه.. فالشعب لا حق لهم في دواء تلك الصيدلية، وما يعطى يعطى لمن أشعر العقيد انه منحني الرأس والقلب معا.حفيدة القذافي فقدت أسئلتها وفقدت دواء الجد الذي لا يوفره لها غيره. ستظل تبحث وستعرف أن الجد حصل على أعظم كنز لكنه لم يحافظ عليه.. تصرف بطريقة غبية جدا لأنه مجنون ولا يعرف أن البشر الآخرين يمرضون ايضا، ويريدون أن يتعافوا.. سجل ملكية الصيدلية باسمه وحرم منها أبناء الطبقات الأخرى.. لكنه في نهاية المطاف وجد نفسه عاريا من كل شيء والأيدي تحيط به.
لا دواء يخرج من صيدلية العقيد بعد ولا حاجة لأحد من الشعب أن يحني رأسه وقلبه له او لغيره، فالقضية بعد كل ما جرى في ليبيا أوضحت لنا أن الكذبة قد تطول لتستمر 42 عاما وهذه هي كذبة العقيد.
حفيدة القذافي ليست محظوظة لأن الجد لن يعاملها بدلال لو جرت الأمور كما يشتهي. الحفيدة الآن تكبر لكنها ستعرف يوما أن صرف الأدوية بلا مشورة طبيب حاذق يقتل الإنسان.. هذا درس يجب أن يتعلم منه السياسيون جميعا.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*