صناعة الخوف ( محمد الحداد

من بين أكوامٍ هائلةٍ من الخوف ثمة خوفٌ يصلحُ للقراءةِ فيما بعد..خوفٌ نحرصُ دائماً أن ننتخبهُ بدقةٍ وننتشلهُ من بين جبالٍ متراكمةٍ سالفة..نغربلهُ بعنايةٍ ونمسحَ عنهُ بأيدينا شوائبَ الزمن وغباره من أجلِ أن نبقيهِ نقياً وسط أحضانِ الذاكرة..حاضراً بسخونةٍ على قيدِ الحدث..هو الأثرُ الذي يُقرأ بعد العين.. وخوفٌ تقرأهُ العينُ لن تنساهُ مطلقاً..وفي القراءةِ هذهِ دائماً كتابة ثانية. ولأنَّ الخوفَ هذا ثيمة انفعالية مُقنّنة لذا كان طوال التاريخ وسيظلُّ مادة دسمة بذاته..مزدحمٌ بتراكماتِ تفاصيله..لهُ قوة جاذبة نظلُّ مشدودين إليهِ أبداً ومشغولين بإعادةِ تدويرهِ من جديد خوفاً عليهِ من الإندراس تحت أضراسِ الحياة وعجلاتِ تفاصيلها الكثيرة..كأننا بهذا ندّخرُ أنفسَ ثمار الخوف ونبقيهِ طازجاً على مائدةِ تداولنا الشهية. تصِلُ إرهاصاتُ الخوفِ الأولى وأهوالهُ ابتداءً بسرعةِ إفراغِ حمولةِ صدماتها البِكر..تصلُ سريعاً بسذاجةِ وقعِ صدى أحداثهِ الأولى لذا لا يعوّلُ عليها كثيراً لأنها تتسمُ غالباً بانطباعيةٍ آنيةٍ متعجلة..رسالة الخوفِ الحقيقية تصلُ بعد حين..لأنَّ دروسها النفيسة ستنحتُ على مهلٍ حروفَ كلماتها على صخور الذاكرة وتتركُ لنا آثارها الخالدة بشكلٍ يغري لأن تُقلبها عيونُ المارين من أمامها مرةً بعد مرة..ديمومة ذلك الحضور المَهيب فيهِ نحوٌ من إغراءٍ أكبر بتأملٍ لا ينضبُ نبعهُ..كلُّ ذلك سيأتي لوحدهِ لاحقاً.. هذا ما ننتظرهُ من الخوف بوصفهِ قيمة مكتنزة تختزنُ خلاصة حِكَمِ الماضي وعِظاتهِ.. هذهِ هي تركتهُ النفيسة التي ما تكدستْ بثراءٍ على صفحاتِ التاريخ البشري إلا لتبقى أبداً كأنفسِ ما يورثهُ السابقون للاحقين ..لذا لا غرابة أنْ امتلأت ذاكرتنا السَماعية والبَصرية والقرائية بهذا الخوف المتوارث حدَّ التخمة وتركتْ لنا بصماتهُ البشعة على هيئةِ أرثٍ هائلٍ ازدحمتْ بهِ قواميسنا اللغوية إذ عبّرتْ عن كلِّ ذلك بغزارةٍ وسخاءٍ وأفصحتْ عن ثراءٍ كمّيٍّ ونوعيٍّ في المعنى والمبنى بانثيالاتٍ متنوعة عبرَ مفرداتٍ كثيرة تفننتْ بتدرجها في رسم صور آثارهِ المتعددة التي كان يتركها على جسدِ الوجود الإنساني حتى أوشكنا أن نراهُ كائناً حياً يتنفسُ بقاءهُ بيننا بشكلٍ غير قابلٍ للموت..فهو في أبسط معانيه وأدناها توقع مكروهٍ عن أمارةٍ مظنونة..لكنهُ إذا ارتقى قليلاً سلمَ مراتب المعنى وصلَ مستوى الرعب ليصبحَ انقطاعاً من امتلاءِ الخوف وربما أدى إلى التلعثم وفقدان الحركةِ أحياناً..أما الفزع والهلع فهُما أعلى مراتب الخوف إذ يرسمُ الأولُ صورة مفاجأة الخوف ووقعه عند الهجوم بينما يرسمُ الهلعُ صورةً سوداوية تصفُ حالة الوصولِ إلى فقدان العقل وسيطرة غريزة البقاء. الغريبُ في موضوعة الخوف أنهُ كان طوال حركة التاريخ صناعةً مبررة جداً وبضاعة رائجة في أسواقِ الموت رغم كلِّ بصماتهِ المُدمرة التي كانت تطبعهــا يداه. صحيحٌ أنَّ صناعة الخوف النفيسة هذهِ موغلة في القِدم لكنها أثبتت فعلاً أنها صناعة طيّعة قابلة للتطور ومسايرة العصر شأن أية صناعة أخرى..والثابتُ بداهةً الذي لم يستطع الزمنُ تغييرهُ أنَّ كلَّ صناعةٍ وفي أيِّ عصرٍ لا بدَّ لها من رابحين يحصدون أرباحهم من دماءٍ تريقها هذهِ الصناعة..لذا وبرغم التطور البشري الهائل والأشواط الشاسعة التي قطعَتها الإنسانية عبر مسيرتها الطويلة نحو النزوعِ إلى مدنيةٍ حديثة ترتقي بالإنسانِ إلى ما يستحقهُ إلا أنَّ الخوفَ هذا ظلَّ سلاحاً بشرياً لا غنى عنهُ رغم وضاعتهِ ولا يزالُ الجميعُ يسعى بحرصٍ دؤوب لأن يفاجئَ بهِ غرمائهُ ويجهدَ في أن يعاودَ استلالهُ من غِمدهِ دائماً والتلويحَ بهِ للآخر كلما دعت الحاجة لذلك..لكأنهُ باتَ أشبه ما يكونُ بضميمةٍ نفيسة في بئرٍ بشريٍّ سحيق يعلمُ الجميعُ ما يُضمرهُ من شرٍّ مُستطير ومع ذلك يظلُّ لهُ سحرُ اللحظةِ الحاسمةِ التي يخرجُ منها! من هنا استثمرَ تنظيمُ “داعش” موضوعة صناعة الخوف على نحوٍ ماكرٍ جديد بشكلٍ تجاوز المفهوم المألوف لِما توارثَ من معاني الخوف وكانت الحصيلة المرعبة أنهم تمكنوا في نهاية الأمر من إنتاج سلاحٍ حديثٍ غير تقليدي لم يمتلكهُ سواهم من قبل..سلاحٌ أشدُّ فتكاً وعنفاً ووحشية وفي نفس الوقت ضمنوا نجاحَ تسويقهِ مُسبقاً لأنهُ صُنعَ خصيصاً بشكلٍ يصلحُ لكلِّ مَن يغايرهم..هذا السلاح يمكنُ لنا تسميتهُ بالخوفِ من الخوف!. اكتشفَ تنظيمُ “داعش” أنَّ الخوفَ شعورٌ مطلقٌ لا يزالُ ثمة مناطق قاتمة قاحلة غير مأهولة فيهِ لم يصلها الوعي الإنساني بعد وأنَّ واجباً تاريخياً يدعوهم لأن يقذفوا بالجميعِ وسط صحرائها الموحشة وأنَّ سلاحهم هذا لهُ القدرة على إنجاز ذلك. وبقليلٍ من التأملِ والتدقيقِ في ما يميّز هذا السلاح عن غيرهِ ستتضحُ لنا الستراتيجية غير المسبوقة التي اعتمدها هذا التنظيم الارهابي في ما يخصُّ هذا السلاح والتي يرتكزُ قوامها على ما يلي: أولاً: نزعة تنظيم “داعش” الارهابي في استحداثِ نسخة مطوّرة من الخوفِ ببصمةٍ عصريةٍ تتناغم مع تطور أدواتِ التلذذ بالموت وترتقي لتذوقِ الطعوم السادية الجديدة في تعذيب الآخرين عبرَ إعادة إنتاج معنى جديد لمفهوم الخوف وتسويقه إلى العالم بشكلٍ مغاير للمألوف وتغطية جميع أخبارهم وتوثيق كل انتهاكاتهم ومحاولةِ قذف صورها الكارثية بقوةٍ في قلوب الناس وتعبئة الشارع بذلك وإشغالهم بهِ طوال الوقت ورسم آثارهِ بينهم وتهويل تداعياتهِ حتى يرسخ في الرَوع أنَّ كلَّ ما يبثونهُ عن أنفسهم بأنفسهم قدرٌ لا مفرَّ منهُ وحقيقة ناجزة حتى من قبل أنْ يشرعوا بأيِّ هجوم واستثمار نتائج كل ذلك لصالحهم فيما بعد..وهي خطوة تبينُ أعلى درجات الاجرام واتباع مسألة التأثير النفسي عند الحروب. ثانياً: فكرة تسويق أنفسهم للآخر بانكشافٍ مقصودٍ لكنهُ مُضلِل بشكلٍ محسوب مع عدم فسح المجال لأيةِ مقارباتٍ أو تأويلاتٍ أخرى ربما تصدرُ من قِبل الآخرين عنهم خشية ألا تنسجمُ مع الصورة التي يهم التنظيم الارهابي أن تصلَ إلى الناس أو ربما ستفضي إلى امتصاصِ جزء من بريقِ صليل الخوف في عيون أعدائهم.. وتأتي غرابة تلك الخطوة في أنَّ التنظيمَ وهو يمررُ ما يهمهُ أن يرسخَ في الذهن الجمعي وباتجاهٍ معكوس تماماً – أي منهم إلى الآخر – فانهُ يشي حتماً بالكثير من أسرار اجرامه التي يبدو وكأنهُ يهبها لأعدائهِ باستهتارٍ على طبقٍ من ذهب لكنَّ ذلك لم يكن يعني للتنظيم شيئاً بقدر اهتمامهِ بأن يحققَ مفهوم الصدمة في صفوف الآخرين. كما يهمهُ أيضاً أن يكفي الآخرين مؤونة أية محاولات للتأويل والاستنباط من أجلِ أن يُعسّرَ من إمكانية امتلاكهم لأيةِ معلوماتٍ ذات قيمةٍ حقيقيةٍ يمكنُ ملاحقتها عنهم وفي ذات الوقت يقطعُ كلَّ الطرق التي قد تفضي إلى تعريتهم من أسباب قوتهم..كلُّ ذلك سيجعلُ من تدفق سيول المعلومات المتوفرة عنهم وقفاً على ما ينتجونهُ هم بشكلٍ حصري ولا يخلو كلُّ ذلك من استهتارٍ بقدراتِ الآخرين كما أنهُ يفضحُ في نفس الوقت مدى حقدهم الدفين واستخفافهم بالإنسان بوصفهِ وجوداً وهوية وقيمة مقدسة. ثالثاً: انتهاجُ مبدأ التهويل والمبالغة أثناء إطلاع الآخرين على أخبار بشاعتهم وقسوتهم وانتهاكاتهم وتأكيد حبهم المسعور للموت وتعمد الاستعراض والتفنن في ذلك بحيث يُسوّقونَ أنفسهم بكيفياتٍ أسطوريةٍ خارقة وبشكلٍ مقصود سلفاً لعلمهم أنَّ الجميعَ سيتلقفُ تلك الأخبار وسيردفها بطاقةٍ تخيليةٍ عملاقة ستنتجها محركاتُ خيالٍ لا ينضب.. وسيؤدي كلُّ ذلك إلى ضمانِ وصول مشاعر خوف الآخرين منهم على وفقِ ما يريدون تماماً بنيةِ إرباكهم وهو نتاجٌ بديهيٌّ غريزي لِما يمكن أن تتعاطى معهُ النفوسُ المرعوبة من صور الوحشية والغِلظة وبهذا ضمنَ تنظيمُ “داعش” الارهابي. إضافة جيشٍ قويٍّ ثانٍ يتقدمُ صفوفهم ليطوي المسافات قبلهم ويمهد الطرقَ سالكة أمامهم في الوقت الذي يكون أعضاءُ التنظيم أنفسهم رديفاً لهُ ! هذهِ الصنيعة الشيطانية مفصلة بشكلٍ يمكنُ أن تصلحَ للجميع ولا غرابة أنَّ ضحايا هذا الخوف المستحدث هم مَن كانوا يضطلعونَ دائماً بالجزء الأهم من عملية إيصال إمدادات تلك المعلومات إلى الجميع من حيث لا يشعرون والترويج لهم بشكلٍ تداوليٍّ أخذ يتنامى للأسف بشكلٍ مرعب. صناعة الخوفِ سلاحٌ مُركّبٌ مُلتبس غايتهُ أن يجعلَ من الحياةِ على وسعها طقس موتٍ احتفاليّ قاتم وكبير وأولُ خطوةٍ على طريق الفِكاك من بشاعةِ هذا الكابوس المرعب تكمنُ في إعادةِ تحجيم من قامَ بإنتاج هذا الخوف بحجمهِ الطبيعي..وأن نثبَ لقطع شرايينه الدموية الغائرة في كهوفها المظلمة التي لا تزال تمدهُ بأسباب البقاء..وأن ننظرَ اليومَ بعيونٍ تستبقُ الأملَ إلى غدٍ قريبٍ سيبزغُ فجرهُ لا محالة . ولن يتحققَ كلُّ ذلك ما لم نتمكن أولاً من فكِّ الاشتباك ما بين الخوفِ والخوفِ من الخوف..بين خوفٍ غريزيّ تقليدي لا غنى عنهُ وآخر جديد مُــربك وموغل في الوهم والخيال.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*