شيخوخة نصب الحرية / بقلم : نوزاد حسن

لم اتفاجأ وأنا أقرا خبرا في إحدى الفضائيات مفاده أن مختصين غربيين بالآثار قالوا ان”نصب الحرية هو اثر آيل للسقوط”.لم اتفاجا لأنني كتبت قبل أكثر من عام وفي جريدة الصباح نفسها موضوعا تخيلت فيه ان قطعة من نصب الحرية ستسقط على رأس احد العابرين.وتخيلت في الموضوع ذاته ان شابا في الثامنة عشرة من عمره مر بساحة التحرير في اللحظة ذاتها التي رفع فيها النصب الى مكانه في عام1961وشاهد الحركة الرائعة لولادة تحفة فنية في مكان سيكون المعلم الابرز لعاصمة اكلتها حروب وسنوات قاحلة.
اكرر لم اتفاجأ بذلك الخبر لان ما قاله اولئك المختصون ليس سوى الوصف الحقيقي لحالة نصب الحرية، ولن يكلف احدنا نفسه مشقة كبيرة لرؤية الخراب المعلق فوق رأسه،اذ يكفي أي عابر سبيل ان ينظر لدقيقتين فقط وبدقة الى التفاصيل المهملة المتسخة بالغبار وبمخلفات الطيور ليدرك ان قضية إهمال ذلك الأثر الفني لا تحتاج الى مختصين ولا خبراء،وإنما تحتاج إلى انتباه شخصي واعتراف اننا لا نعرف كيف نحافظ على آثارنا وتحفنا الثمينة.
النصب مهمل قذر سقطت بعض أحجار خلفيته وتحركت بعض قطعه من أماكنها.والأدهى ان ذلك المكان هو مكان يحج إليه الإعلاميون والفضائيات على مدار الساعة.الكل مشغول بمهمة تتعلق بالسياسة..أما تحفة جواد سليم فهي في عالمها الساكن البعيد عن رؤية الأعين التي شغلت بما هو ارفع من تأمل النصب وملاحظة عبث الزمن به.وقد قلت في إحدى المرات لمصور في احدى الفضائيات ان يظهر حالة الخراب السارية فوق رؤوسنا الا انه لم يأبه لما قلت ونظر الي قائلا:أي نصب هناك ما هو أكثر قسوة مما تقول.وعلى الفور قارنت بين رجل مريض بالسرطان لا يجد دواء وبين من يدعو الى إنعاش نصب لفنان عراقي مات في قمة عطائه.
تخيلت ايضا في مقالي عن نصب الحرية ان جواد سليم لو كان حيا لبادر وبجهده الشخصي الى ترميم عبث الزمن الواضح في جسد احد اجمل اعماله النحتية.تخيلته يصعد سلما عاليا وهو يتفحص الاضرار ويحاول ان يعيد بهاء النصب المفقود بلمسات عنيدة، لكن بين تخيلي الغريب كما قد يراه البعض وبين رؤية جبرا ابراهيم جبرا لجواد خيط رفيع يشبه خيط بخور.يقول جبرا:كانت المنحوتات البرونزية..قد وصلت حديقة الامة ببغداد في صناديق ضخمة، وكان جواد عصر احد الايام يشرف على فتحها كالعادة واخراج المنحوتات ولحمها لكي ترفع الى مكانها الشاهق عندما فاجأته نوبة قلبية.
بعدها مات جواد وكأنه يموت بطريقة تفوح منها رائحة وصية لكل من سيأتون بعده.مات جواد وهو يفتح صناديق تحفته لنتركها نحن الى لا مبالاة غريبة وصمت لا يغري احدا حتى بتأمل الفوضى فوق رأسه بثمانية امتار هي علو النصب الذي لو كان اوطأ لربما عبث به السراق كما حصل لتمثال السعدون بعد السقوط.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*