شعار الشعوب.. وجملة ديكارت ( نوزاد حسن

ان الثورة المصرية من اهم احداث التاريخ العربي وأعني بكلامي هنا ان الشعب الجائع قال كلمته بطريقة مذهلة وغير عدوانية.ولعل نتائج هذه الثورة ستتجلى فيما بعد وعلى كل الاصعدة.
ما يمكن ملاحظته اليوم ان العالم العربي الذي كان راكدا تفجر واسقط انظمة لم يتوقع احد ان تسقط.هذا زمن الجماهير التي لا تعشق عنفا وكراهية مارستها الانظمة طيلة عقود.انا اتخيل الان شكل الرواية والقصيدة والنص المسرحي القادم.لن يقال ان هذا زمن حاتم زهران او غيره.هذا زمن الجماهير المنصهرة في وحدة انسانية رائعة.
لقد كنت معجبا ولا زلت بجملة ديكارت الرائعة التي ختم بها كتابه الساحر (تأملات في الفلسفة الاولى)انا افكر اذن انا موجود.ما اجمل هذه الجملة.ما ارشقها.انها ثمرة رحلة شاقة خاضها ديكارت للخلاص من شكه فاكتشف ان التفكير هو ما لايمكن ان يشك فيه.والغريب ان تلك الجملة تناسلت او قيلت على السنة متعددة.منهم من قال:انا اعمل اذن انا موجود.وانا امثل اذن انا موجود.وانا اغني اذن انا موجود.وقال كامو انا اتمرد اذن انا موجود.قيلت الجملة بايقاعات مختلفة لكن سحر فيلسوف الشك تضاعف وتضاعف وجعلني اظن ان الفكر يحرث ارض اللغة والواقع فيعيد خلقهما معا.
في زمن ثورة يناير فتحت نافذة جديدة.وهب نسيم لا يقل جمالا عن تجربة ديكارت.لم يعد الفكر تجربة ذاتية صعبة.صارت الجماهير الغاضبة المحرومة هي البطل ولديها قاموسها الانساني ايضا.فجاة وجدت نفسي ماخوذا بشعارات رائعة كان اجملها على الاطلاق الشعب يريد اسقاط النظام.هذا الشعار الجريء تردد في انحاء العالم العربي الكبير وبنفس الحماس، وشيئا فشيئا سيكون الصفعة الاقوى التي توجهها الجماهير الى كل نظام يستغل السلطة ويهزا بالفقراء.
في جملة ديكارت هناك ميل لبناء فكر علمي رصين، وفي شعار الجماهير هناك ميل لاسترداد الحقوق الضائعة.بالنسبة لي كانت اللغة حروفا مخدرة بنزوات السلطة، ولم اكن اتوقع ان يتحرر الانسان وتتحرر لغته الى هذا الحد، واذا كان ديكارت قد تحرر من شكه وشيطانه المريد فقد تحرر الشعب العربي من ذله وانتج لغته الجميلة.
ان شعار الجماهير ذاك..الشعار الذي رفع بقوة امام العنف هو الوجه البريء للحرمان والصمت وسنوات النسيان المؤلمة.في اربع كلمات جماهيرية يوجد صراع لا يقل عن الصراع في جملة ديكارت.كل ما في الامر ان ديكارت تنفس الصعداء حين وجد الطريق الى النور وان الجماهير انطلقت وتحررت بعد ان قالت كلمتها القوية التي غيرت جليد الواقع الذي لم يكن احد يتوقع ان يذوب بهذه البساطة.انا مسحور بجملة الفكر وجملة الشعب..بلى انا مسحور للغاية.

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*