شروط نجاح حملة النظافة ( ياسين العطواني

أثارت الحملة الوطنية (معاً لعراق أجمل)التي تقودها شبكة الإعلام العراقي بالتنسيق مع جهات اعلامية وخدمية، جدلاً بيزنطياً اثناء توقفنا في أحدى التقاطعات المزدحمة من العاصمة بغداد، فقد جرت العادة ان يتجمع الباعة المتجولون وهم يعرضون مابحوزتهم من مواد مختلفة على أصحاب السيارات المتوقفة في هذه التقاطعات، ولكن ما لفت انظارنا هذه المرة هو ان يتم بيع الشاي بواسطة أقداح بلاستيكية في هذه الأماكن، وهذه ظاهرة جديدة لم نألفها من قبل، وبما ان منظر بخار الشاي المتصاعد من هذه الأقداح لا يقاوم، خصوصا ان الأجواء الباردة تشجع على تناول هذا المشروب الساحر الذي عرف به أهل العراق، حتى بات جزءا من موروثهم الاجتماعي والثقافي.
وفي أجواء هذا المشهد المُستغرب، وفي محاولة منا لطرد الملل والنعاس الذي يحصل عادةً في مثل هذه التقاطعات المزدحمة، لم يكن أمامنا سوى تناول هذا الشاي الساخن بنهم  وفضول.  ولكن الذي حدث ــ وهذا هو بيت القصيد ــ وأثار كل هذا الجدل، هو عندما قام أحد الأصدقاء برمي القدح الفارغ في الجزرة الوسطية، بينما احتفظ  صديق آخر بهذا القدح داخل السيارة، وقد جوبه  التصرف الأول بالرفض والاستنكار، فيما لقي التصرف الآخر إشادة واستحسان الحضور، وبالرغم من محاولة تبرير الصديق الذي القى بقدحه على قارعة الطريق بعدم وجود حاوية او أماكن مخصصة لرمي النفايات على جانبي الطريق، وان الأزبال والعلب الفارغة تحيط بالمكان إلا انه لم يوفق في تبريره هذا.
ما نريد التأكيد عليه من ذكر هذه الحادثة، هو ان النظافة سلوك اجتماعي وأخلاقي وديني وبيئي وجمالي، وأسلوب حضاري يمارسه الفرد أو المواطن كتعبير عن كل هذه الخلفيات التي ينتمي اليها، وإن من يمارس رمي القمامة في الشارع أو في مكان العمل، بالتأكيد  لن يكون نظيفاً في بيته، ولا أظن أن شخصاً يمكنه أن يدعي النظافة  وفي الوقت نفسه  يسيء إلى نظافة مدينته أو موقع عمله, أو إلى الحديقة التي يرتادها أطفاله، وعلى العموم فان النظافة في نهاية المطاف تنعكس على حياة الفرد والمجتمع بشكل مباشر، ومن خلالها تقاس درجة رقيه وتحضره بين الدول الأخرى، والشيء المستغرب ان موروثنا الروحي والثقافي قد جعل من النظافة والبيئة والاهتمام بالطريق والجمال عموما أولوية في سلم اهتماماته، وقد تعلمنا منذ صغرنا أن ( النظافة من الأيمان ) وأن إماطة الأذى عن الطريق صدقة، وشعبة من شعب الايمان، الا ان ما موجود على أرض الواقع لا يوحي بذلك.
فهذه هي بغداد التي توصف بأنها عاصمة العلم والأدب والتاريخ والحضارة تتحول الى واحدة من المدن الضعيفة من حيث الخدمات ، وهذا ما ذكرته مؤسسة ميرسر للاستشارات الإدارية.
وفي هذا الصدد يجب أن نلتفت الى ما يدور حولنا في هذا العالم، وأن نتعلم ونتعظ من تجارب وسلوكيات الشعوب المتحضرة، ولا سيما في هذا المرفق الحياتي والحيوي، وخير درس لابد أن نتعلمه من تجارب هؤلاء، هي الأساليب والسلوكيات التي يتعاملون بها مع المشكلات البيئية والنظافة عموما، فبعض البلدان المتقدمة في هذا المجال يطلقون على عامل النظافة تسمية مهندس الصحة، لانهم لا ينظرون اليه على أنه شخص ينظف المدينة ولكنه مسؤول عن صحة المدينة، وأي انسان يحب أن يعمل في هذه الوظيفة لا يسمحون له بالعمل إلا اذا اجتاز اختبارات شفوية وتحريرية، أما عن راتب عامل النظافة في تلك البلدات، فقد يفوق درجات وظيفية معتبرة، فهو على سبيل المثال أعلى من راتب المعلم لانهم يعرفون حساسية هذه الوظيفة، وفي المدارس ينظف الطلبة  كل يوم الصف لمده ربع ساعة، والأدهى من ذلك ان المدرس والمدرسة يقومون بالتنظيف معهم، وفي بعض البلدان لا توجد سلات مهملات في الحدائق العامة، لان كل طفل وكل شاب وكل عجوز يحضر كيسا يضع فيه زبالته. وعلى مستوى هذا العالم المتحضر أيضاً، مهنة النظافة ليست ضمن قائمة الأسوأ، فقد ذكر تقرير نشر مؤخراًعن أسوأ عشرة مهن على مستوى العالم لم يكن من ضمنها مهنة عامل النظافة، حيث شملت القائمة مهنا أخرى صنفت على أنها أكثر سوءا، وقد اعتمد التقييم على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والبدنية والنفسية ونسبة المخاطر. كما أن نماذج النظرة الاجتماعية لمهنة عامل النظافة على الرغم من تفاوتها من دولة لأخرى إلا أنها إيجابية في الكثير منها، وفي دول مثل بريطانيا والسويد يشترط على عامل النظافة أن يكون مواطنًا، وهو ما يدل على أهمية توطين هذه الوظيفة لدى دول العالم الأول. وهذا يعني ان النظرة الاجتماعية (الدونية ) لمهنة عامل النظافة في مجتمعنا غير لائقة وليست في محلها، لأن النظافة وعي ثقافي ودليل حضاري، وذلك بعد ان أضحت التربية البيئية عملية تربوية تستهدف تنمية الوعي لدى الانسان واثارة اهتمامه، وفي ظل هذه الدوامة، والتي لا يريد البعض الخروج منها، فاننا بحاجة الى تغيير وتعديل عاداتنا وسلوكياتنا نحو الأفضل، وبما يتلاءم مع قيمنا الروحية والأساليب الحضارية، وهذا بالتأكيد يحتاج الى حملة توعوية وطنية يشارك فيها الجميع للحث على النظافة، وتنمية الوعي البيئي.

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*