شروط حل البرلمان / بقلم : طارق حرب

غير قليل من الدعوات التي نادت بحل مجلس النواب في الشهر الاخير من سنة 2011 وخاصة بعد الأزمة السياسية، وطالب بعضهم باجراء انتخابات مبكرة وهذا يعني ايضا حل البرلمان لانه لايجوز اجراء انتخابات جديدة بدون حل مجلس نواب اذ لايجوز دستوريا اجراء انتخابات جديدة ما لم تنئه الدورة الانتخابية او يتم حل البرلمان .
والحل لغة من حل العقدة يحلها حلاً اي فتحها ونقضها فا نحلت والحل حل العقدة  وحلحل القوم ازالهم من محلهم والتحلحل التحرك والذهاب وتحلحت عن المكان وتزحزحت.
وحل مجلس النواب اصطلاحاً يعني انهاء الدورة الانتخابية قبل المدة المحددة دستوريا واجراء انتخابات جديدة لمجلس نواب جديد ذلك ان المادة (56) من الدستور قررت انه مدة الدورة الانتخابية لمجلس النواب اربع سنوات تبدأ باول جلسة له وتنتهي بنهاية السنة الرابعة وحيث ان اول جلسة لمجلس النواب في دورته الحالية كانت يوم 14 /6 /2010 بعد اجراء الانتخابات في 7 /3 /2010 فان ذلك يعني ان الدورة الانتخابية تنتهي بنهاية يوم 13 /6 /2014 فاذاتم حل مجلس النواب قبل هذا الموعد فان ذلك يعني انهاء الدورة الانتخابية الثانية لمجلس النواب قبل المدة المحددة في الدستور وهو يوم 13 /6 /2014.
وحل مجلس النواب يعني تقليص مدة الدورة الانتخابية عن المدة التي حددها الدستور فلو فرضنا ان البرلمان تم حله يوم 14 /6 /2012 فان ذلك يعني ان مدة الدورة الانتخابية ستكون سنتين فقط وليست اربع سنوات وفق ما حدد الدستور ذلك .
وحل البرلمان يعني انتهاء الصفة البرلمانية عن اعضاء مجلس النواب حيث تزول عنهم صفة عضو في مجلس النواب وتختفي عنهم صفة نائب ويعودون الى صفتهم كمواطنين، وبالتالي تزول عنهم جميع الامتيازات الخاصة باعضاء مجلس النواب، كالراتب والمخصصات والحصانة الممنوحة لهم والتي تلازم خلال فترة عضويتهم في البرلمان وخلال احتفاظهم بصفة نواب حيث ان الحصانة المقررة في المادة 63 من الدستور وهي الحصانة البرلمانية وبالتالي فان الحصانة المقررة في هذه المادة وخاصة عدم جواز القبض على عضو مجلس النواب وتوقيفه تنتهي عند حل مجلس النواب، اي يجوز القبض على النائب بعد حل مجلس النواب وتوقيفه بتهمة بارتكاب احدى الجرائم سواء اكانت هذه التهمة عن جريمة تم ارتكابها قبل عضوية البرلمان او اثناء عضوية البرلمان، ومعنى ذلك ان عضو مجلس النواب يعامل معاملة اي مواطن اخر بالنسبة لتهمة ارتكاب جريمة ما، كما ان حل مجلس النواب يعني استخدام مصطلح نائب سابق اوعضو مجلس نواب سابق او برلماني بدلا عن المصطلح الذي كان يتمتع به سابقاً وهو نائب او عضو مجلس نواب اوبرلماني، كما ان حل مجلس النواب يعني انتهاء عمله في تشريع القوانين وفي ممارسة الرقابة، فلا يجوز للبرلمان الذي تم حله ممارسة هذه الصلاحية في الفترة التي تلي الحل وحتى في الفترة السابقة لاجراء انتخابات جديدة لانتخاب مجلس نواب جديد فاذا اجتمع مجلس النواب الذي تم حله فان اجتماعه سيكون اشبه باجتماع عدد من الافراد ولايوجد اثر دستوري او قانوني للاجتماع او للقرارات التي يتخذها.
وفي تراثنا الدستوري نجد ان الدستور العثماني الصادر سنة 1876 والذي كان يطبق على العراق باعتباره جزءا من الدولة العثمانية اناط بالسلطان العثماني سلطة حل البرلمان اوما كان يسمى في هذا الدستور بمجلس المبعوثين وهو سلطة مطلقة للسلطان لم يقيدها هذا الدستور باي قيد اما الدستور الملكي الصادر سنة 1925 فانه عهد الى الملك سلطة حل مجلس النواب ولكنه اشترط ان يكون وراء الحل (أمر ما) اي لابد من وجود أسباب لكي يتولى الملك حل مجلس النواب كما انه اعطى مجلس النواب  سلطة حل نفسه، ولقد كانت هنالك مناسبات عديدة تولى فيها الملك او الوصي على العرش الامير عبد الاله حل مجلس النواب، اما دستور الاتحاد العربي بين العراق والاردن الصادر سنة 1958 فانه عهد الى رئيس الاتحاد هو ملك العراق فيصل الثاني سلطة حل مجلس النواب ولم يتطرق دستور الجمهورية الاولى 1958 جمهورية عبد الكريم قاسم ودستور الجمهورية الثانية 1963ودستور الجمهورية الثالثة جمهورية الاخوين عبد السلام وعبد الرحمن عارف 1964 ودستور الجمهورية الرابعة 1968 الى مسألة حل مجلس النواب لان تلك الدساتير المذكورة لم يرد فيها ما يشير الى وجود سلطة تشريعية او مجلس النواب حتى ان دستور 1964 وان تم تعديله باستحداث مجلس الامة وهو مجلس نواب منتخب لم يتطرق الى مسالة حل هذا المجلس والامر ذاته يقال عن الدستور الثاني للجمهورية الرابعة 1970 وان تم تعديله سنة 1980 باستحداث المجلس الوطني الذي يتم انتخابه (شكليا) فانه لم يتطرق الى هذا الموضوع والامر نفسه يقال عن الدستور الانتقالي (قانون ادارة الدولة العراقية المرحلة الانتقالية) حيث لم يورد حكما بشأن حل الجمعية الوطنية وهي السلطة التشريعية التي تم انتخابها يوم 30/ 1 /2005 وسبب ذلك يكمن في ان عمل هذه الجمعية كان لاشهر فقط وان عملها الاساس هو كتابة الدستور الذي تم الاستفتاء عليه في 15 /10 /2005 .
اما دستور 2005 النافذ حاليا والذي يتم بموجبه حل مجلس النواب فانه تكلم وحدد هذه المسألة في المادة (64) التي حددت الاحكام الخاصة بحل البرلمان وبقراءة بسيطة لهذه المادة نجد انها حددت طريقين للحل اولهما الطريق البرلماني حيث يتولى مجلس النواب حل نفسه وثانيهما طريق تنفيذي عندما يطلب رئيس الوزراء من رئيس الجمهورية حل مجلس النواب.
اما الطريق الاول لحل مجلس النواب وهو الطريق البرلماني فيكون بتقديم طلب من ثلث عدد اعضاء مجلس النواب للحل وبما ان عدد اعضاء مجلس النواب 325 نائبا فانه لابد من تقديم الطلب من 112 عضوا من أعضاء مجلس النواب كونهم يشكلون ثلث عدد اعضاء مجلس النواب، فاذا حصل تقديم طلب حل البرلمان من هذا العدد من اعضائه فانه يتم عرض هذا الطلب في جلسة مجلس النواب للتصويت على قبول هذا الطلب او رفضه، وحددت المادة 64 من الدستور العدد المطلوب للموافقة على طلب الحل فانه لابد من موافقة الاغلبية المطلقة لعدد اعضاء البرلمان وبما ان عدد اعضاء مجلس النواب 325 فانه يشترط موافقة اكثر من نصف عدد اعضاء البرلمان اي اكثر من النصف باعتبار ان هذه الاغلبية هي الاغلبية المطلقة لعدد اعضاء مجلس النواب وبالتالي لابد من موافقة 163 عضوا على الحل، فان كان العدد اقل من ذلك فانه يعني رفض طلب الحل اي ان موافقة 163 عضوا هي الحد الادنى للموافقة على حل لبرلمان ودونها يعني رفضا لمقترح الحل الذي تقدم به ثلث نواب البرلمان.
اما الطريق الثاني للحل فهو الطريق التنفيذي اي ان السلطة التنفيذية تتولى حل مجلس النواب متمثلة باقتراح من رئيس الوزراء وموافقة رئيس الجمهورية ذلك ان النظام الدستوري العراقي كما حددت ذلك المادة الاولى من الدستور نظام برلماني وبالتالي فان مبدأ الموازنة بين السلطات هو من مبادئ النظام البرلماني، اذ كما ان للبرلمان اقالة الوزارة وهي السلطة التنفيذية فان لرئيس هذه الوزارة حل السلطة التشريعية اي البرلمان وهذا مقرر في الدول البرلمانية نحو ما هو معمول به في المانيا وايطاليا وغيرها من الدول البرلمانية التي اعطت هذا الحق خلافا للانظمة الدستورية الرئاسية وفي مقدمتها النظام الدستوري الاميركي، اذ ليس للسلطة التنفيذية ممثلة بالرئيس الاميركي سلطة حل البرلمان وسبب ذلك يكمن في ان جميع السلطات مخولة للرئيس وله صلاحية نقض (الفيتو) القوانين يصدرها الكونغرس الاميركي في حين ان هذه الصلاحيات غير موجودة في النظام البرلماني كالنظام البرلماني العراقي، اذ ليس للسلطة التنفيذية الصلاحيات المقررة في النظام الرئاسي وهي السلطات الواسعة كسلطة نقض القوانين وبالتالي فان منح الدستور العراقي لهذه السلطة في حل البرلمان يتناسب مع ما هو مقرر في الانظمة البرلمانية الاخرى، غير ان سلطة حل البرلمان من قبل السلطة التنفيذية في الدستور العراقي تختلف عن السلطة المقررة في الانظمة البرلمانية عندما اشترط موافقة رئيس الجمهورية على مقترح رئيس الوزراء بحل مجلس النواب، في حين ان الانظمة البرلمانية الاخرى تركت هذه السلطة لرئيس الوزراء فقط دونما حاجة لموافقة رئيس الجمهورية، حيث ان حل البرلمان في الانظمة البرلمانية متروك لرئيس الوزراء فقط ولايحتاج ذلك الى موافقة جهة اخرى كما فعل الدستور العراقي عندما اشترط موافقة رئيس الجمهورية مقترح رئيس الوزراء بحل البرلمان وقد اشترط الدستور في المادة 64 عدم جواز حل البرلمان في اثناء مدة استجواب رئيس الوزراء وهذا الشرط يعني ان قيام مجلس النواب باجراءات استجواب رئيس الوزراء طبقا لصلاحيته في الرقابة فانه لايجوز لرئيس الوزراء اقتراح حل مجلس النواب وسبب ذلك يكمن في ان استجواب رئيس الوزراء قد يؤدي الى سحب الثقة عنه واقالته ولكي لايعطي الفرصة لرئيس  الوزارء بالتخلص من اجراءات الاستجواب واحتمالية اقالته من البرلمان وذلك يعني جواز اقتراح رئيس الوزراء حل البرلمان قبل مدة الاستجواب وبعد انقضاء الاستجواب اذا لم يترتب على هذا الاستجواب سحب الثقة من رئيس الوزراء كانتهاء الاستجواب بدون صدور قرار بالتصويت على سحب الثقة او فشل التصويت على سحب الثقة من رئيس الوزراء ذلك ان الدستور في المادة (60/ 3) اشترط موافقة الاغلبية المطلقة لعدد اعضاء مجلس النواب لسحب الثقة عن رئيس الوزراء اي موافقة 163 عضوا على الاقل، اما الآثار التي تترتب على حل مجلس النواب فهي الاثار التي ذكرنها سابقا ولكن المادة 64 من الدستور حددت الاثار المتعلقة بانتخاب مجلس نواب جديد اذ ذكرت هذه المادة بان رئيس الجمهورية عند حل مجلس النواب الى انتخابات جديدة خلال مدة اقصاها ستون يوما من تاريخ حل البرلمان ويعتبر مجلس الوزراء مستقيلاً ويواصل تصريف الامور اليومية اي الاعمال الاعتيادية التي لايمكن تأخيرها دون الاعمال الخطيرة والمهمة كأجراء المفاوضات لعقد الاتفاقيات والمعاهدات او اعداد مشاريع القوانين كون هذه الامور تخرج عن الامور اليومية التي لابد من معالجتها ونظرها من مجلس الوزراء كما ان الحل يعني انهاء الدورة الانتخابية الثانية ذلك ان الدورة الانتخابية الاولى لمجلس النواب كانت في سنة 2006 والدورة الانتخابية الثانية كانت في سنة 2010 والدورة الانتخابية الثالثة هي الدورة التي تبدأ بعد اجراء انتخابات جديدة بعد صدور قرار حل البرلمان.
والسؤال المهم هل ان الاجواء السياسية تقبل حل مجلس النواب واجراء انتخابات جديدة مبكرة والجواب لابد ان يكون بالنفي  ذلك ان الظروف السياسية الحالية لاتساعد على حل مجلس النواب، فالقلة القليلة من أعضاء مجلس النواب الذين يقولون بحل مجلس النواب غير صادقين في قولهم لاحتمال فشلهم في الانتخابات الجديدة وكثير من الكتل السياسية قد لاتحصل على المقاعد الانتخابية التي حصلت عليها لاسيما وان الناخبين سوف لن يمنحوا صوتهم لهذه الكتل كما ان الاجراءات المعقدة في تشكيل الحكومة والسلطة الجديدة والتي حصلت في سنة 2010 عند تشكيل السلطة و الحكومة الجديدة غير مرغوبة من الكتل السياسية، كما ان الكثير من النواب لايميلون الى فقدان امتيازاتهم البرلمانية، بالاضافة الى ان اجراء الانتخابات مع مايترتب عليه من انفاق اموال الدعاية الانتخابية يبتعد عن حل البرلمان كهاجس لدى النواب، وهنالك اسباب اخرى وراء عدم موافقة اعضاء مجلس النواب في اتخاذ قرار الحل ويبقى امر الحل رهين ارادة رئيس الوزراء وحبيس رغبة رئيس الجمهورية ومن قراءة الواقع فان الرئيسين ليس لهما اتخاذ مثل هذا الاجراء، وفي حالة اتفاقهم اذا تأزمت الامور فان رغبتهما وارادتهما هي النافذة شاء من شاء وابى من ابى وسخط من سخط ورضا من رضى وفي جميع الاحوال فان الليالي السياسية حبالى يلدن كل غريب ومن المولود حل مجلس النواب وان كان بعيد المنال فهو ليس من المستحيل.

حجز الفنادق

 

مقالات طارق حرب

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*