سقوط الديناصور الليبي ( صادق كاظم

سقط نظام القذافي وأسدل الستار على آخر فصول الانتفاضة الليبية التي اتخذت طابعا مسلحا منذ لحظة ولادتها بسبب الطبيعة الدموية لنظام القذافي الذي رفض الإصغاء لأصوات المحتجين والرحيل بهدوء عن ليبيا تاركا لشعبها حرية تشكيل النظام البديل عن نظام حكمه المتعفن . سقط القذافي وبسرعة مذهلة بعد صمود دام أكثر من خمسة اشهر ودخل الثوار الى العاصمة طرابلس بعد نجاحهم في السيطرة على مدينة الزاوية وتبخرت جيوش القذافي وكتائبه والاف الحشود التي كان التلفزيون الحكومي الليبي يحرص على بث صورها وهي ترفع صور القذافي وتقيم الاحتفالات الثورية التي تشيد به وبحكمه والتي كانت تعطي انطباعا زائفا عن شعبية النظام الواسعة 
 كل هذه الصور والحشود الضخمة اختفت في لحظة ولم يجد القذافي جنديا واحدا او مواطنا ليبيا يدافع عنه, حيث قرر الجميع الرضوخ للحقيقة وهي ان نظام القذافي قد اصبح خارج التاريخ ولم يعد له وجود وباتت ليبيا اليوم دولة مختلفة عن ماضيها مع القذافي الذي اختطفها لمدة ناهزت الاربعين عاما من القمع والتغييب ومصادرة حرية الراي والحق في اقامة الاحزاب السياسية وإطلاق الصحف والاذاعات المستقلة . عرفت ليبيا القذافي حاكما متهورا ومغرورا فرض على شعبها القرارات الغريبة والعجيبة وتبنيه للمواقف السياسية المثيرة للجدل والمتصادمة مع الغرب والولايات المتحدة ,إضافة الى مغامرات صبيانية في قارة افريقيا انتهت باندحاره في أحراش اوغندا وتنزانيا وهزيمة مذلة في الصحراء على يد مقاتلين تشاديين .ادخل القذافي لبيبا في مواجهات خاسرة وعرضها الى عقوبات دولية انتهت بالتنازل وتقديم التعويضا ت لضحايا الطائرتين الامريكية والفرنسية رغم انها لم تكن تملك المؤهلات والقدرات الكافية لذلك .
أصبح نظام القذافي عبئا على الشعب الليبي الذي وجد في ثورة ابناء تونس المجاورة مصدر الهام له ,حين قرر شبان غاضبون تحطيم تمثال الكتاب الاخضر في احدى المدن البعيدة والذي كان عنوانا للهذيان القذافي عن وجود نظرية اممية ثالثة ,حيث كان القذافي شأنه في ذلك شأن باقي الطغاة العرب ممن سبقوه في السقوط يظن نفسه اديبا ومفكرا ثوريا وصاحب نظريات سياسية ,بل ومؤلف روايات ادبية . لم يصمد النظام أمام زحف الثوار الذين قرروا اللجوء الى حمل السلاح بعد ان تعامل معهم القذافي بقسوة ,حيث قصف مدنهم وقراهم بالصواريخ والطائرات والمدافع وحتى السفن الحربية ولم يفسح المجال امام اية مفاوضات لرحيله عن السلطة ,بل انه أنكر وجود هذه الثورة واصفا الثوار بالجرذان والمقملين وبعملاء للاستعمار رافضا الاستجابة لاية مطالب ,بل اهدر دماء الاف من الليبــــيين بجبروته وعناده وغروره .
كانت المسيرة الى العاصمة طرابلس شاقة وصعبة وكان للدعم الحربي الذي قدمه حلف الناتو المهتم كثيرا بترتيب شؤون البيت الليبي باعتبار ان ليبيا اقرب من غيرها الى سواحل المتوسط الأوروبي دور حاسم ومؤثر. كان الصراع مريرا وقاسيا وكانت هناك معارك كر وفر في أغلبية المناطق التي شهدت مثل هذه المواجهات ,لكن تصعيد الهجمات من الجهات الأخرى غير الشرقية للعاصمة التي كان النظام يتوقع زحف الثوار منها أعطى ثماره ,حيث نجح الثوار في اقتحام مدن رئيسية من جهة الجبل الغربي وقريبة من العاصمة انتهت بالسيطرة على مدينة الزاوية وبسرعة خاطفة ليشق الثوار طريقهم وبهدوء الى العاصمة بعد ان اخلى لهم جنود القذافي الطريق رافضين الاوامر ومعلنين استسلامهم ورغبتهم في اقامة نظام سياسي  جديد .
انتهى القذافي كزعيم سابق لليبيا التي أرادها ان تكون مزرعة خاصة به وباولاده المغرورين مثله والذين كانت فضائحهم ومشاكلهم وتجاوزاتهم ومغامراتهم تملا صفحات الجرائد الأوروبية من هانيبال القذافي الذي أطلق النار على موظفي خدمة اجانب في احد الفنادق في سويسرا والتي ادت الى اعتقاله من قبل الشرطة السويسرية  وأدت إلى ازمة في العلاقة ما بين البلدين قام القذافي على اثرها باطلاق التصريحات التي تدعو الى إعلان الجهاد على سويسرا والغائها من الخريطة الى الساعدي القذافي لاعب كرة القدم الفاشل والذي كان يدفع للأندية الإيطالية ملايين الدولارات من ثروة شعبه لتسمح له بلعب مبارة واحدة فقط ويشتري الهدايا الثمينة من السيارات والمجوهرات للاعبي تلك الفرق ومن دون مقابل .كما ان ابنته عائشة كانت عضوا بارزا في فريق الدفاع عن الطاغية صدام وكانت تذرف الدموع على اعدامه رغم جرائمه ووحشيته  .
كان القذافي يتوهم ان بقاءه في السلطة ليس له حد بعد ان اختزل لبيبا  بشخصه ووجوده عندما ألغى وجود الحكومة ورفض اعتباره رئيسا  للدولة واصفا نفسه بأنه قائد للثورة وليس مسؤولا تنفيذيا في الحكم واضعا نفسه في مرتبة اعلى وفوق الانتقادات ,بل انه ازاح شركاءه السابقين في الانقلاب ووضعهم تحت الاقامة الجبرية والغى مجلس قيادة الثورة الذي كان يصدر القرارات بالتشاور ما بين اعضائه . كان سلوكه غاية في القسوة في التعامل مع الشعب الليبي ,حيث كان هناك تغييب واضح لكافة أشكال العمل السياسي المستقل وكانت خلاياه الثورية تلاحق المعارضين وتغتالهم عند ابواب سفاراته في الخارج وكان وجود اللجان الشعبية للنظام والتي هي عبارة عن شبكات حزبية مؤيدة وموالية له مرفوضا من قبل الشعب الليبي فقد كانت عبارة عن مؤسسات للتجسس على الليبيين وقمع حرياتهم ومصادرتها ,فضلا عن دورها في تحشيد الشعب الليبي وبالقوة للخروج في تظاهرات مؤيدة لأقوال القذافي وخطاباته المثيرة للسخرية .
كان القذافي يتصرف باموال ليبيا ومدخولاتها من النفط برعونة ,حيث كان يوظفها لأغراض الدعاية الشخصية له عبر شراء الأقلام الصحفية المأجورة المؤيدة له ,اضافة الى إقامة المؤسسات الاعلامية في الخفاء المدافعة عنه وعن نظامه ,فضلا عن  عقد المؤتمرات الفاشلة التي تمجد افكاره البائسة وثقافاته المحدودة واميته  والتي هي عبارة عن منقولات عن نشرات سياسية لحركات يسارية في الماضي .
فشل القذافي في احلامه التوسعية في ان يصبح زعيما للامة العربية فكان تحوله الى القارة الافريقية قرارا فاشلا هو الاخر  مستغلا حاجة وفقر شعوبها ليمرر من خلالها مشاريعه في ان يصبح زعيما افريقيا تاريخيا كمانديلا ونكروما ,لكنه لم ينجح ,بل انه أسس بدلا عن ذلك منظمات هزيلة منحته لقبا بائسا ومضحكا وهوملك ملوك افريقيا . نظام القذافي لم يعد موجودا واصبح من الماضي والشعب الليبي تنتظره مهمة صعبة في اعادة بناء ليبيا واصلاح ما سببته الحرب الاخيرة من اضرار بالمباني والبنى التحتية وتضميد جراح الحرب وطي صفحة الماضي والتغلب على عقدة تعدد الانتماءات القبلية للشعب الليبي التي يخشى بسببها المحللون من تنامي ظاهرة القبلية وهيمنتها على مؤسسات الحكم الجديدة التي ستضع باعتبارها الانتقال بليبيا الى عصر المؤسسات بدلا عن نظام الحكم الفردي الشمولي الاستبدادي . انتصرت ليبيا على طغيان القذافي بغروره وجبروته بدماء أبنائها الشجعان الذين لم يخشوا اساليب القذافي الدموية ولا اسلحته المخيفة ولا اساليبه في القمع والابادة ,حين حملوا السلاح وساروا نحو العاصمة طرابلس والتي كان الوصول اليها في تلك اللحظات اشبه بالحلم منه الى الحقيقة, لكنهم قالوا كلمتهم وانتصروا وازاحوا حاكما شرسا عرف عنه شراسته وعنفه ودمويته وكتبوا لبلادهم تاريخا جديدا وان اطر بالتضحيات المرة ,لكنه كان مستحقا في النهاية .

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*