سطو على التاريخ ( عمر السراي

لا شيء يعدل فكرة أن تسطو على الماضي .. بمفاهيمه التاريخية العائمة في فترات والواضحة في فترات أخرى.. وأن تحمل في صرة ٍ معقودة في طرف عصاك أعلى ظهرك زادا من الأساطير والحكم والحقائق .. والسطو في هذه الحالة أمر ٌ محبب .. فالطريق السابق المعبد إشارة ٌ لطريق قادم.. وما جرى في الأمس هو ذاته ُ ما يجري اليوم لسبب بسيط هو وحدة الفكر الإنساني الدائمة.. ترى ما الذي تحصل ُ عليه دول ٌ ما زالت إلى الآن تحلم أن تعود إلى قرون ٍ بل آلاف ٍ من السنين البعيدة لتمارس دور جلجامش وهو يقطع أشجار الأرز لبناء سور ٍ لمدينته الواسعة.. وما الذي عصم شخصيات ديكتاتورية من قراءة ماضي المندحرين رغم علو نجمهم .. أظن ُّ بأن َّ المقولة الشهيرة التي تفيد ُ بأن التاريخ يصنعه ُ المنتصرون أو يكتبه ُ المنتصرون.. ألقت مفعولها في قلب المستقبل.. فالصفات العظيمة التي تسبغها الكلمات التاريخية على الملوك والحكام الظالمين لشعوبهم وناسهم ومجاوريهم يسيل ُ لها لعاب القادم المدجج بشهوة أن يكون َ مثيلا أو متفوقا.. وهذا العيب عيب ٌ في التاريخ.. و إذا عددنا التاريخ جثة هامدة ً يحرك خيوطها بشري.. إذن .. العيب ُ في من كتب التاريخ .. ولا تقف المسألة عند هذا الأمر .. أليس قارئ التاريخ ملزما بأن يكون مشاركا في استخلاص العبر واستكناه الحقيقة والتجربة..؟
لا سهولة تحيط الأمر .. فارتباط أجزاء كبرى من القديم بالمقدس بوصفه قديما فحسب أكسب التاريخ بعدا ملزما .. وألصق الفضائح بالمتلاعب والمتربص والمتخذ موقفا مضادا منه .. فكثيرا ما شهدنا بأن نهايات الرقم والأساطير القديمة تنتهي بفصول أو تتضمنها .. مفادها صب ُّ اللعنات على من يغير ُ أو يسيء إلى المكتوب والمدون .. لعلم مسبق و واع ٍ لمدون الخبر بأن من سيقرأ هو إنسان ٌ يجذبه الروحي قبل العقلي .. وهذه نقطة ُ الخلاف الدائمة..
أعتى ديكتاتور معاصر راحل هو صدام حسين .. وصل به الأمر أن يدعي لنفسه تاريخ ميلاد مقارب لتاريخ ميلاد هتلر .. فقد كون شخصيته المجنونة بمزج هتلر وستالين معجبا بأفكارهم التي نسج التاريخ ُ المنتصر خيوطها .. وليس الديكتاتور المعاصر الحي معمر القذافي بعيدا عن هذا الأمر أيضا .. والمحزن بالأمر بأن التاريخ مازال يكتبُ .. وما فعله الأمس أصبح في ذمة الكلمات.. وما هي إلا سنوات ٌ قليلة ٌ ونلاحظ شخصيات ٍ جديدة متأثرة بصدام أو القذافي و بطريق آخر.. أو مشابه.. والسبب هو التاريخ ُ الذي يجيد رصف الأوهام لتصل درجة الحقيقة الوحيدة والأكيدة .. 
فبمراجعة ٍ بسيطة لجل ِّ كتب التاريخ والسير والحوادث .. نلاحظ أن مساحة وصف الشخصيات والأحداث الجيدة في التاريخ تقل ُّ كثيرا عن مساحة وصف الشخصيات والأحداث السيئة .. لحاجة داخلية عند المدون للتفجع بالفجيعة .. مما حدا بالشخصيات الناشئة في بيئات غير مستقرة لاختيار طريق الدخول الأسهل للتاريخ .. فأن تنقذ عشرة من الانحراف عن الطريق القويم بالمساعدة المالية أو النصح ستحولك إلى شخص ٍ طيب يعرفك أهلك والمقربون.. لكن أن تقتل عشرة ً دون سبب وبصورة بشعة سيدخلك هذا الأمر التاريخ بوصف سفاح.. وهو لقب مهم لدى القارئ بعدك.. الذي سيطلع على سخونة إمكانيتك على القتل البارد والمتقن.. وسيبقى يتذكرك أولاد من قتلت وأحفادهم والمقربون والتاريخ وحتى القاضي الذي حكم عليك بالجرم.. بينما لا يتذكر قاض ٍ حكمه بالعفو على متهم ٍ بريء .. والسبب يعود للتاريخ الذي ينسجه بشري ٌّ يميل إلى عنف الإشارة .. ويعبد طريقا أن تكون ديكتاتورا أكثر من أن تكون عادلا .. وهنا أعود لمفهوم السطو على التاريخ .. والذي أعني به دائما أن لا نسرق ما يحلو لنا منه ولا أن نقرأ وفق أمزجتنا .. بل يعني أن نسطو على كل ما كتبته البشرية ُ لحظة انتصاراتها مزهوة بالفتح .. وعلى كل تلميع ٍ وتذهيب لصور القتلة التي ستجذب القارئين البسطاء ليكونوا مشهورين كالقتلة العظام .. وهو دور العقل الذي لا يعترف بالقديم عادا إياه في درجة عدم النقاش ويسعى لفتح رحلات التنقيب في كل ِّ صغيرة وصولا إلى الرؤية الأمثل.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*