سسيولوجيا الاختلاف.. سسيولوجيا الرعب ( علي حسن الفواز

كثيرا مانتحدث عن  سسيولوجيا  الاختلاف، او حتى سسيولوجيا التغالب، وربما  سسيولوجيات التناشز والازدواجية كما يسميها الدكتور علي الوردي، وكثيرا  ماتمارس الحاكميات وضع هذه(السسيولوجيا) في نسق قهري، يصطنع للكائن مجالا اخضاعيا، يمارس  فيه وظيفة التابع والمقلّد والخائف والمتماهي..هذه  الوظيفة التذويبية المكرسة في التاريخ والحكم تسهم  في صناعة
فكرة الطاعة، وتسهم الى حد كبير في صناعة ظاهرة الحشد من جانب، مثلما  تصنع  صورا ايهامية وتعويضية للطاغية والمستبد من جانب  آخر.. اذ تسهم هذه  المجالات  الشوهاء في قطع اية علاقة للكائن بالوعي بوصفه ممارسة اجتماعية، وعلاقته بالحرية بوصفها احساسا بالوجود والحق والاشباع، واحساسا بالمعنى وبالامتاع الانوي خارج لذة  الخضوع..
العلاقة مابين الحرية والوجود، او بين الكائن وحريته تتبدى عبر حمولة من الرمزيات، تبدأ من الجسد ولاتنتهي عند  النص، اذ تتحول هذه الحمولات  الى مجال تعبيري لاخضاع  الجسد  الى موجهات محددة، تطهيرية، سلوكية، جنسوية، ولاخضاع النص ايضا الى موجهات تأويلية وتفسيرية، اي الى نوع من(الهرمونطيقيا) التي تحولها الى قوة، والى سلطة، والى عنف والى دوغمائية طاردة لاي شخصنة في  القراءة والكشف..
هذه المعطيات تتحول الى صراعات، واحيانا الى حروب، تلك التي تصطنع لها  الكثير من  الضحايا، واول ضحايا هذه المهيمنات هي الحرية، تلك التي  تتمثل في حرية الفكر والتعبير، وحرية الجسد وحرية التصرف  بالنص، اي قراءته وتأويله. ولمعرفة حدود الحرية، بما فيها حرية الايمان والتعبير عنه، يجد الكائن نفسه  امام ذات  الموجهات والقوى اللاواعية، لاسيما وان هذه الحرية ستظل خاضعة في الكثير من صورها الى تبديات طقوسية، تؤكد في جوهرها مبدأ الاخضاع، وربما تغذيها طاقات داخلية مثل طاقة الكبت والتفريغ الايهامي، وطاقة الذوبان في الجماعة، وطاقة التاريخ بوصفه قوة منتصرة في اللاوعي الجمعي، لكنها تظل عائمة وغير مشذبة.. هذه الطاقة تتحول الى اوهام ضاغطة، والى رعب داخلي، اذ كثيرا ما تقود الى ممارسات عنفية، وصراعية، وكذلك ممارسة في الغلو والتضخم الانوي، وهو مايسهم  في تحديد طبيعة العلاقة بين الانسان والمكان، والانسان مع الآخر، والانسان مع التاريخ ومع الدولة، وينعكس على تحويلها  الى قوة مهيجة دافعة للقوة والمواجهة والمجاهرة بكراهية العدو، مثلما هو تحولها  الى قوة اشباعية سلبية ذات مرجعيات نفسية عصابية، او احيانا الى قوة انتحارية كما يحدث عند البعض من(الاصولويين) والذين  يمارسون  العمليات الانتحارية وتفجير انفسهم وسط الجموع، اذ ان  توهم الانتحاري بطبيعة هذا السلوك، تعني تعبيرا عن فكرة الخضوع، وعن احساسه اللاوعي بالهيمنة والاشباع، وكراهية الآخر..
صورة هذه العلاقة  تفقد اية خاصية  للمنفعة، باتجاه اشباع حاجة الانتماء، مقابل اشباع  ضدي لشهوة الكراهية، تلك  التي يتوه فيها  العقل، مقابل حضور اللذة الايهامية، اذ يتحول الجسد فيها الى نوع من القربان الاضحوي للتعويض في قتل الآخر، الآخر الذي تصوره العقائد الظلامية بالكافر والمارق والزنديق والملحد وغيرها من الاوصاف الرهابية..
الباحثون في مجالات العلوم الاجتماعية والنفسية والانسانوية، وحتى الباحثون في مجال الفقه الشرعي، ومجال الجريمة الجنائية  يصطدمون ببروز هذه الثقافات العصابية، وتضخم الانا الانتحارية، واتساع العقائد والفقهيات التي تقوم على اساس تبرير  ثقافة الكراهية عند البعض، ثقافة التكفير والمحو والطرد.. مثلما يواجهون هشاشة الثقافات المدنية والليبرالية، وتصدع تاريخها الذي ارتبط بحركات سياسية وايديولوجيات وحتى انظمة سياسية معينة، مقابل استسلام غرائبي لمهيمنات ما يشاع الان من خطابات للعنف والغلو والتكفير، واستدعاء التاريخ والماضي ليكونا الاسطرلابات الموجهة لحراك الجماعات التي تعطلت عندها فاعلية الحوار،  ووضعت خطابها امام عتبات حادة، واوهام اكثر رعبا، باتت مصدرا مهددا للكثير لفكرة الدولة الجامعة، دولة المواطنة والمؤسسة، لاسيما وان مفهوم الدولة ذاته يدخل في سياق التحريم والتكفير وعدم جواز الانخراط في  نظامها الاجتماعي والوظائفي..
ثقافة الكراهية وثقافة التكفير، هما الصورتان المشوهتان المعطلتان لفكرة الحوار بين الجماعات، وتحويل بعض هذه الحوارات الى مواجهات صراعية، وحوارات مبتورة، محشوة بنزعات غريبة من التضليل الحقد والتشكيك، وفقدان اي احساس بالمسؤولية ازاء مايجري، فضلا عن السلبية في مواجهة اي شيء له علاقة بمصالح الناس وحياتهم ومصالحهم واتساع ظواهر الموت الانتحاري بطريقة غريبة جدا، حتى بات الامر مثيرا  للجدل حول توجهات هذه الممارسات، ومن يقف وراءها؟ ومن يمولها؟ ومن يشيّع لمثل هذه الثقافات المرعبة والتدميرية؟ فضلا عن خطورتها في تدمير اللحمة المجتمعية، واعادة انتاج التاريخ على اساس انه تاريخ جماعة مهيمنة ونقية، وليس على اساس قيمي يلتقط ماهو مضيء ومشرق في هذا التاريخ.
لكن الاخطر في سياق النظر الى التغايرات الصادمة في المجتمع العراقي، هو التهميش الذي بدت فيه القوى المدنية، والاثر الذي تركته الجماعات العراقية اليسارية والليبرالية ونضالها الاجتماعي والسياسي..فهل كان السياق التاريخي للبنية النهضوية والحركات الاصلاحية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 هشا ومضللا؟  وهل ان الطبيعة الجمعية لمظاهر الاحتجاج والمناداة بالحريات كان غير متجذر في مجتمع زراعي لم يطمئن للمدينة بعد.
من المسؤول عن ذلك؟ هل هي الانقلابات العسكرية، التي كانت انقلابات تصفية دموية مع الآخر، ام هي نتيجة للصراعات الايديولوجية؟ هل هي بعض تداعيات الحروب الدامية- الداخلية والخارجية- التي تورط فيها العراق السياسي والعراق القومي والايديولوجي؟ ؟ هل هي سياسات الاستبداد والحكم المرعب، ام هي سياسات سوء الادارة، وتكريس الثقافات والسياسات الطائفية المقينة؟ وهل يمكن ان ان تكون جزءا  من هيمنة الثقافات  الاصولية المشبعة   بفكرة الموت المقدس، والتي تحولت  الى ايديولوجيا عنفية  لبعض الحركات  الجهادية؟
هذه الاسئلة، هي اسئلة في رعب المواطن، واسئلة في ضبابية  الباحثين والمعنيين الذين يتفرجون الآن على  المحنة العراقية الآخذة بالتضخم، والاخذة بتعويم فكرة الدولة، والتماهي مع فكرة الجماعة والطائفة والعشيرة او القبيلة، بوصفها ثقافات صيانية  تعيدنا الى سرديات اللاوعي الجمعي..
الاسئلة المثارة الان هي اسئلة الخوف الثقافي. فهل ان المثقف عاطل عن المسؤولية؟ وهل ان مؤوسساته اضحت مؤوسسات(فالصو) وغير قادرة على ان تصنع(جماليات مجاورة) كما يسميها كمال ابو ديب لمواجهة صعود العنف والرعب؟ وهل مات المثقف العضوي فعلا، وذهب المثقف النقدي الى اوهام الخطاب، وجلس المثقف الاجرائي في بيته؟
اظن ان هذه الاسئلة بحاجة الى وقفة جادة والى فحص ومراجعة، والى جرأة مواجهة من قبل مثقفي العراق في كل المدن، خاصة تلك المدن التي تجمل معها سرائر الوجود، وتقف عند حافة خطابات مفتوحة للحرائق..لكي يستعيد ذلك المثقف وظيفته الاخلاقية والرمزية اولا، ولكي يصنع ولو بحدود معينة رأيا عاما يمكنه المشاركة في تفعيل حراك الجماعات المدنية للحد من هذا الصعود الغرائبي للعنف اللغوي والاثني، ولايجاد مساحات مرنة للوعي لكي يفتح افقا لحوار عقلاني ونقدي يبدأ من نقد الدولة الى الهوية وصولا الى نقد الجماعات ذاتها التي بدأت تزيح النظام عن سياقاته التاريخية والقانونية لتكون بديله او قوته الغامضة  والعميقة..

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*